قرار تفسيري جديد للمحكمة الدستورية الأردنية عن الاتفاقيات الدولية: سوء تقدير من الحكومة يؤدي لتعزيز مكانة الاتفاقيات الدولية

18 مايو 2020

Inner Report Image

أيمن هلسا

تفعيلا لنص المادة (59/2)[1] من الدستور الأردني، طلب مجلس الوزراء من المحكمة الدستورية تفسير نص المادة 33[2] من الدستور لبيان "فيما إذا كان يجوز إصدار قانون يتعارض مع الإلتزامات المقررة على أطراف معاهدة صادقت عليها المملكة، بمقتضى قانون يتضمن تعديلا أو إلغاء لأحكام المعاهدة أو أن المعاهدة الدولية التي يتم إبرامها والتصديق عليها، واستيفاء الإجراءات المقررة لنفاذها لها القوة الملزمة لأطرافها ويتوجب على الدول احترامها طالما ظلت قائمة ونافذة".

واستجابة لهذا الطلب، أصدرت المحكمة الدستورية قرارها، الذي لم يتجاوز الصفحتين، وقد ضمنته النتائج الآتية:

لا يجوز إصدار قانون يتعارض برمته مع الإلتزامات المقررة على أطراف المعاهدة كانت المملكة صادقت عليها بقانون،

لا يجوز اصدار قانون يتضمن تعديلا أو إلغاء لأحكام تلك المعاهدة،

المعاهدات الدولية لها قوتها الملزمة لأطرافها ويتوجب على الدول احترامها طالما ظلت قائمة ونافذة، وما دام ان هذه المعاهدات تم لإبرامها والتصديق عليها واستوفت الإجراءات المقررة.

لم يتبين من سؤال الحكومة السبب من وراء القيام بهذا الاجراء، إلا أنه بحسب وسائل الإعلام المحلية، يبدو أن السبب هو مقترح نيابي لقانون يلغي اتفاقية الغاز مع الإحتلال الإسرائيلي. والمقصود بهذه الإتفاقية، الإتفاقية التي تم توقيعها ما بين شركة الكهرباء الأردنية (المملوكة بالكامل من الحكومة) مع الشركة نوبل إنيرجي الأمريكية في العام 2016 ودخلت حيز التنفيذ مع بداية عام 2020، من خلال شركة (NBL Jordan Marketing Limited) ذات المسؤولية المحدودة والمسجلة جزر الكايمان، علما بأن هذه الشركة تمثل تآلف شركات أمريكية اسرائيلية لحقل ليفياثان للغاز (Leviathan gas field) الواقع شرق البحر الأبيض المتوسط ويبعد حوالي 130 كيلومترا من ميناء حيفا، أهم موانئ فلسطين تاريخيا.

لاقت هذه الإتفاقية التي تصل قيمتها إلى 15 مليار دولار (8.4 مليار لحكومة إسرائيل، 4.9 مليار للشركات المالكة للحقل و1.7 مليار نفقات حفر وتشغيل) على مدار 15 سنة مقابل ما مجموعه 300 مليون متر مكعب من الغاز، وبشرط جزائي مقداره 1.5 مليار، معارضة شاسعة وشرسة. وقد فشلت الحكومة في تقديم أسباب مقنعة لتوقيعها، بالرغم من تصريحات وزارة الطاقة بأن هذه الاتفاقية ستوفر 100 مليون دولار سنويا.

استخدام المادة 33 (طلب استشارة من المحكمة الدستورية) من قبل الحكومة أمر غير مفهوم نهائيا، ويدل على عدم وعي بأساسيات القانون الدولي. فمن أبجديات الاتفاقيات الدولية أن تبرم بين الدول أو اشخاص القانون الدولي العام مثل المنظمات وحركات التحرير وأن تكون خاضعة للقانون الدولي، في حين أن الاتفاقية التي نحن بصددها موقعة مع شركة أمريكية ذات مسؤولية محدودة وخاضعة للقانون الوطني البريطاني (The law of England and Wales). علما بأن الخطأ نفسه تكرر سابقا فيما يعرف باسم "اتفاقية الكازينو"، وهي اتفاقية وقعتها الحكومة في العام 2007 مع شركة بريطانية من أجل إنشاء مشروع سياحي (الكازينو) بالقرب من الشاطئ الشرقي للبحر الميت. إلا أن الموضوع انتهى بشكل ودّي مع المستثمر على مبدأ المسامح كريم. وفي جميع الأحوال، فإن اعتبار اتّفاقية الغاز أو ما يماثلها خارج نطاق المادة 33 أمر سبق حسمه بموجب قرار للمجلس العالي لتفسير الدستور في العام 1962 والقرار التفسيري للمحكمة الدستورية رقم 2/2019.

اعتمادا على ما تقدم، تعتبر اتفاقية الغاز شكلا من أشكال العقود التي تبرمها الإدارة العامة التي تخضع للقانون الخاص لتحقيق أهدافها متخلية عن سلطاتها وامتيازاتها لتصبح في موقع مساوٍ لموقع المتعاقد معها، واللجوء إلى نص المادة 33 لتبرير بقاء هذه الإتفاقية وعدم تعديلها اجراء يمكن وصفه بأنه غير موفق على أقل تقدير.

بعيدا عن موضوع الغاز، ما الذي يمكن أن يقدمه القرار التفسيري رقم 1/2020

لم ينص الدستور الأردني على القيمة القانونية للاتفاقيات الدولية. إلا أن القضاء الأردني استقر على أن الاتفاقيات تسمو على القوانين الوطنية. ويعزز قرار المحكمة الدستورية هذا الإجتهاد، وإن كان الدستور قد حصر الطابع الملزم للكافة بقراراتها لمتعلقة بعدم دستورية الأنظمة والقوانين من دون القرارات التفسيرية[3],

الإتفاقيات التي ينطبق عليها القرار

يتضح من نص القرار أنه ينطبق على الإتفاقيات التي تمّت المصادقة عليها بقانون وذلك لأن صيغة سؤال الحكومة شملت هذه العبارة. إلا أنه من الممكن أن يكون هناك تفسيرات للقرار تشمل كافة الاتفاقيات طالما "استوفت الإجراءات المقررة لنفاذها" بحسب ما جاء بنص القرار. وبحسب المادة 33/2 من الدستور، الاتفاقيات التي بحاجة لتصديق بقانون هي تلك التي (1) يترتب عليها تحميل خزانة الدولة شيئا من النفقات، أو (2) تمس بحقوق الاردنيين العامة أو الخاصة.

وبالحقيقة، نجد أن الأردن يعاني من إشكالية كبيرة في تطبيق هذه المعايير على أرض الواقع، لأننا نجد أنه يتم التعامل مع اتفاقيات من الطبيعية نفسها بطريقة مختلفة؛ بحيث يعرض بعضها على مجلس الأمة للموافقة، في حين يقرر أن البعض الآخر لا يحتاج لمثل هذه الموافقة. ومن أوضح الأمثلة على ذلك الإتفاقيات المعنية بحقوق الإنسان: فقد تم عرض البعض منها على مجلس الأمة وصدرت بشكل قانون كما هو الحال بالنسبة لاتفاقية حقوق الطفل واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الاعاقة، في حين تم الاكتفاء بتوقيع الحكومة على البعض الآخر ونشرها بالجريدة الرسمية مثل العهدين الدوليين لحقوق الإنسان واتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة واتفاقية مناهضة التعذيب. وهنا تجدر الإشارة إلى أن اجتهاد محكمة التمييز استقر على اتفاقيات تسليم المجرمين من ضمن الإتفاقيات التي تمس بحقوق الأردنيين وبالتالي وجب الحصول على موافقة مجلس الأمة حتى تكون نافذة في الأردن[4]، كما استقر اجتهاد المحكمة على أن إتفاقية الإعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها (نيويورك، 1958) لا تمس بحقوق الأردنيين وبالتالي ليست بحاجة لموافقة مجلس الأمة[5].

كما أن عبارة "تحميل خزانة الدولة شيئا من النفقات" ما زالت مبهمة. وبما أن هذه العبارة مطلقة ولم يتم تقييدها، فهذا يعني أن الاتّفاقية التي ترتب أي شكل من النفقات مهما كانت قليلة ستكون بحاجة لموافقة مجلس الأمة. ومن الناحية العملية، فإن هذا ينطبق على أغلب المعاهدات والإتفاقيات التي يعتمدها الأردن إن لم تكن جميعها. وبالتالي فان جميع هذه المعاهدات والإتفاقيات بحاجة لموافقة مجلس الأمة، ومثل هذا التفسير لا يستقيم مع الممارسات الدولية أو الحكمة من وجود موافقة لمجلس الأمة.

في الممارسة العملية، نجد أن أغلب القروض مع البنك الدولي للإنشاء والتعمير أو صندوق النقد الدولي لم يتم عرضها على مجلس الأمة[6]، على الرغم من وضوح الأعباء المالية المترتبة على خزانة الدولة المتمثلة بالفوائد المركبة على هذه القروض. ونرى أن عمومية عبارة "شيئا من النفقات قد أفرغت النص من دوره الحقيقي وأضعفت رقابة مجلس الأمة على الإتفاقيات الدولية التي توقعها الحكومة والتي قد تثقل موازنة الدولة بالكثير من الديون. مع الإشارة إلى أن البنك الدولي والصندوق الدولي من المنظمات الدولية التي تعتبر من أشخاص القانون الدولي، وبالتالي الاتفاقيات الموقعة معهما من قبل الدول تعتبر اتفاقيات دولية بالمعنى الدقيق للكلمة.

طالما الحديث عن التصديق على الإتفاقية بقانون، تجدر الإشارة إلى أن الدستور الأردني لم يستخدم مصطلح "التصديق بقانون" لكنه استخدم عبارة "موافقة مجلس الأمة". إلا أن الواقع العملي غير ذلك؛ فبحسب التعامل الذي سار عليه الأردن من تاريخ نفاذ الدستور الحالي في العام 1952 وحتى الآن، يُعبّر مجلس الأمة عن موافقته من خلال قانون يسمى بقانون التصديق على الإتفاقية المعنية. وبالتالي، يمكن القول بوجود عرف دستوري مفسر لنص المادة 33\2 كونها لم تبين كيف يمكن لمجلس الأمة التعبير عن موافقته على هذه المعاهدات والإتفاقيات.

هل القرار يحصن الإتفاقيات التي تمت المصادقة عليها بقانون؟

تم تداول هذا السؤال على نطاق واسع في الأردن بعد صدر القرار. وكانت التساؤلات تنصب فيما إذا كان القرار يُحصّن معاهدة السلام التي تمت المصادقة عليها بالقانون رقم 14/1994 (قانون تصديق معاهدة السلام بين حكومة المملكة الاردنية الهاشمية وحكومة دولة اسرائيل لسنة 1994)

بطبيعة الحال القرار يحصن الاتفاقيات النافذة، لكن لا يوجد ما يمنع من نقض، إلغاء أو الإنسحاب من الإتفاقية وفقا لقواعد القانون الدولي سندا لنصوص اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات والقواعد العرفية الدولية الأخرى. وبعد أن تتم عملية النقض، الإلغاء أو الإنسحاب، يمكن إصدار قانون يلغي قانون التصديق. وهذا ما يفهم من قرار المحكمة الذي جاء فيه "المعاهدات الدولية لها قوتها الملزمة لأطرافها، ويتوجب على الدول احترامها، طالما بقيت قائمة ونافذة".

كيف يمكن الإستفادة من القرار

القرار يقدم فرصة ذهبية لإجراء مراجعة شاملة لكافة التشريعات للتأكد من مدى مواءمتها مع الإتفاقيات الدولية التي اعتمدها الأردن، خاصة اتفاقيات حقوق الإنسان التي تمت المصادقة عليها بقانون ويؤكد على إلتزام تعهد به الأردن سابقا في خلال الإستعراض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الإنسان.


أيمن هلسا
محامي أردني
نقلًا عن موقع المفكرة القانونية