أيامنا السوداء

15 يونيو 2020

Inner Report Image

كوليت بهنا

منذ مئات السنين، تتناقل الأجيال المتعاقبة خلاصة حكمة الأجداد في جدوى الادخار لمواجهة الأزمات العصيبة المحتملة، عبر المثَل الشعبي الدارج "خبّي قرشك الأبيض ليومك الأسود". والقرش الأبيض هنا، يستعمل مجازيا ويراد به الحديث عن أحد أنواع العملة التي استعملت في دول عربية وغير عربية، إبان الحكم العثماني لها، والذي كان قطعة كبيرة من الفضة البيضاء الخالصة، قبل التحول لاحقا إلى تداول النقد الذهبي ومن ثم الورقي.

في نظرة عامة للأوضاع المعيشية الصعبة التي تعيشها اليوم معظم شعوب الدول العربية، وبشكل خاص العراق وسوريا ولبنان، إضافة إلى المصاعب الاقتصادية التي ألمت بدول الخليج الثرية جراء تأثير انخفاض أسعار النفط وجائحة كورونا الأخيرتين، وفي مقدمها السعودية التي أوقفت بدل غلاء المعيشة عن المواطنين مع رفع ضريبة القيمة المضافة، تشير بمجموعها، ليس بأننا "ذاهبون نحو الهاوية"، التي تداولها اللبنانيون مؤخرا كجملة لغوية وظفت في سياقات تعبيرية متهكمة، تسخر ممن أطلقها وأوصلهم إليها، بل تشير إلى أننا، ومنذ زمن بعيد، نقبع في قعر هذه الهاوية.

بين ليلة وضحاها، صُدمت القلة من المدّخرين على طريقة أجدادهم، بحقيقة أن قروشهم البيضاء، التي احتفظوا بما تيسّر منها تحت البلاط، باتت تعني لا شيء، ولا تساوي في قيمتها الشرائية، إلا الهباء. أما الشطّار من العصريين، ممن اقتطعوا من رفاهيتهم وأودعوا لأجل مستقبلهم، بعض المال، والكثير من الثقة، في المصارف الحديثة ذات الصروح الفخمة والأنيقة، استيقظوا على صوت صرير الجرذان الضخمة المتوحشة، تقرض جنى أعمارهم، تحت أعين القوانين ومبررات صانعيها.

في الواقع، لم يمتلك عموم الناس، خلال العقود الزمنية الثلاث الماضية على الأقل، المقدرة على الادخار، إذ ساهم الغلاء المقيم والمتصاعد، والضرائب الكيدية التي لا تتوقف، على امتصاص كل ما يجنى من أرزاق، تتوزع إما لتسديد إيجارات البيوت وأثاثها، أو المحلات التي تستثمر للعمل، أو لتسديد أقساط سيارة تستعمل للخدمة، أو أقساط المدارس والجامعات، ومواجهة النفقات الباهظة الحديثة مثل الهواتف الذكية وأجور الإنترنيت. وما تبقى، إن تبقى، ينفق للطعام والشراب والطبابة، وفي جميع الأوقات، من النادر أن تعثر على أسرة لا تغرق في الديون نهاية كل شهر، بحيث تتفاقم ديونها بشكل مضطرد، ويصبح من المتعسر سدادها.

لم يكن عموم الأفراد مترفين أو مرفهين يوما بحسب فلسفات بعض أرباب السلطة وتحليلاتهم العبقرية، بل كانوا يعيشون بتوازن حسابي استثنائي ضمن الحدود الدنيا لمستويات المعيشة، وعوملوا دوما، وبازدراء مقصود، على أنهم يد عاملة رخيصة، يتم التفاخر برخصهم خلال مؤتمرات وبازارات جلب وجذب الاستثمارات العالمية.

فيما أدى سوء إدارة الموارد والثروات، واتباع سياسات اقتصادية مريبة، إلى إنجاب معادلة حسابية فذة ومبتكرة تسجل لأصحابها، ترجمت بالإثراء الممنهج للنخبة، على حساب الإفقار الممنهج للعامة، وهي معادلة سرعان ما تم الإعجاب بها والتماهي معها، وتقليدها من قبل العديد من الدول الشقيقة.

النتيجة، تحصد معظم الشعوب العربية اليوم، الفقر الشديد، والمرتقب تصاعده من الآن وحتى سنوات قادمة، وهو فقر، لا يزداد ويتفاقم نتيجة لحالات طوارئ، أو التأثر بتراجع اقتصادات العالم مؤخرا، بل ثبت في الحقيقة أنه شريك مقيم وراسخ ومتوحش، زرع بين الناس منذ زمن طويل، وبقصدية سُمّية، يهدف إلى "تتفيه" الفرد، وتجويعه، وتجريده من أي طموح، أو المقدرة على الحلم برغد العيش، واجتراع كل الوسائل والذرائع، التي تمكن باستمرار من تضييق كل خناق عليه، ليظل مثل أسير صخرة سيزيف، يقضي عمره وهو يلهث ساعيا لإبعادها عن كاهله، لكنها سرعان ما تنزلق بسهولة وتتدحرج لتسحقه من جديد.

قصص الجوع القادمة من بعض الدول مثل السودان أو العراق أو اليمن أو سوريا، يصعب تصديق قسوتها، وهي بلاد عرفت منذ فجر التاريخ وحتى اليوم، بأنها ليست من أغنى البلاد فقط، بل في مقدرتها الحقيقية على إطعام العالم لخصوبة أراضيها وجودة محاصيلها ووفرتها، وعرفت كنبع ثري لا ينضب من اللحوم ومشتقات الألبان، والتي باتت اليوم تشكل ترفا خالصا، وحلما من أحلام اليقظة، شأنها شأن الفاكهة التي يتعذر على بعض الشعوب شراؤها، وهم من أهم الدول المنتجة والمصدرة للفاكهة، مثل لبنان المنكوب.

لا ينكر أحد تأثير الحروب التي عانت منها بعض هذه الدول، وتأثير العقوبات الاقتصادية الدولية التي دفعت الشعوب ثمنها، لكن هذه الأعذار، لا تبرر أو تعفي مسؤوليها من تحمل نتائج سياساتهم الاقتصادية الخاطئة التي مورست لسنوات، وإن كانت أراضي هذه الدول ما زالت خصبة والمحاصيل وفيرة، إلا أن النكبة الحقيقية قد وقعت وباتت تكمن في شح المال لدى الأفراد وانعدام القدرة الشرائية، وبالتالي يمكن توقع تدهور قريب للصحة والمناعة العامة، وتفشي الأمراض، وتدهور المظهر العام، مع ارتفاع أسعار الثياب ومواد التنظيف وغلاء الكهرباء والماء والمشتقات النفطية، وارتفاع نسب الجريمة والسرقة والانحلال الأخلاقي وأعمال العنف المجتمعي إلى أرقام فلكية، يضاف إليها تدهور التعليم وتراجع مستوياته، مع عدم مقدرة الأهالي على إرسال أولادهم للمدارس، ومواجهة المستحقات التعليمية الباهظة، والتي تبتدئ بعدم المقدرة على وضع "سندويشة صغيرة" في حقائب أطفالهم المدرسية.

قد يبدو ما تقدم شديد السوداوية، وتشاؤم مبالغ به، لكن الحقائق على الأرض أقسى بكثير من هذه الكلمات التي ستبقى مجرد كلمات، في بلاد لا تقدم فيها الكلمات، ولا تؤخر. 


كوليت بهنا
إعلامية وكاتبة سورية
نقلًا عن موقع: الحرة