لكن ماذا عن عنصريتنا؟

16 يونيو 2020

Inner Report Image

خليل العناني

انتفض العالم، ولا يزال، منذ مقتل المواطن الأميركي من أصول أفريقية، جورج فلويد، دعساً تحت أقدام ضابط شرطة أميركي أبيض (ديريك تشوفين) في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأميركية أواخر الشهر الماضي (مايو/ أيار).

فقد رأى المنتفضون في شرق العالم وغربه هذه الحادثة المؤلمة باعتبارها مناسبة للتنديد بالتمييز العرقي والعنصرية التي يتعرّض لها المواطنون السود في كل أنحاء العالم، خصوصا في الولايات المتحدة.

في حين انقسم العرب، كالعادة، في رؤيتهم للحادثة ما بين حالم يعتبر أن هذه المظاهرات بمثابة "ربيع أميركي" سوف يفضي إلى إسقاط الإدارة الأميركية الحالية بقيادة الرئيس ترامب، وما بين شامتٍ ومتشفٍ بأميركا من خلال التركيز على اعتداءات الشرطة على المتظاهرين، واعتبار أنها لم تعد بلد الحرية والكرامة.

بينما إذا نظر العربي إلى نفسه في المرآة لوجد صورة جورج فلويد قابعة في كل ركن من أركان بلاده، سواء من الشمال في سورية وحتى الجنوب في الصومال، أو من الشرق في العراق وحتى موريتانيا في أقصى المغرب العربي، فلدينا في كل بلد عربي نسخة من جورج فلويد، سواء بالمعنى العنصري الذي يدور حول التمييز الذي نمارسه، نحن العرب، إزاء أنفسنا ومجتمعاتنا وأقلياتنا بمختلف خلفياتها الدينية والمذهبية والعرقية والجندرية، أو بالمعنى المأساوي القمعي الذي تتعامل به السلطات العربية، خصوصا أجهزة الأمن، مع المواطنين، والذي لا يخلو من امتهان واحتقار وقمع واستبداد، إلى الدرجة التي وصلنا فيها إلى مرحلة الإرهاب المنظّم الذي تشرف عليه الدولة وترعاها مؤسساتها. 

بالمعنى الأول، خذْ مثلاً ما يحدث للسود في بلادنا، وكيف يتم التعاطي معهم، ليس فقط من السلطات، والتي لا تفرق غالباً بين أبيض وأسود في قمعها واستبدادها، ولكن من المجتمع والناس، فستجد أن نظرة المجموع إلى أصحاب البشرة السمراء دونية لا تخلو من احتقار وامتهان وشعور بالدونية، فالسود، بالنسبة للأغلبية العربية، هم عبيد، بنو عبيد، لا يتزوجون إلا من بني لونهم وبشرتهم، ولا يشتغلون إلا في المناصب الدنيا، العامة والخاصة.

أتذكّر جيداً كيف كان يتم التعامل مع بعض العائلات التي تنحدر من أصول أفريقية أو عربية من أصحاب البشرة السمراء في قريتنا في شمال شرق مصر، والذين كانوا أقرب إلى الخدم والموالي الذين يعملون في خدمة أسيادهم في المنازل والحقول مقابل أجر زهيد، وأحياناً كثيرة يتم امتهانهم والطغيان على حقوقهم البسيطة.

وأتذكّر أيضاً كيف كان الأطفال يمتهنونهم ويعايرونهم بلون بشرتهم، وذلك من دون أن يتدخل أحد من الكبار لزجرهم ووقفهم عن هذه المعاملة، فالجميع يستبطنها في داخله، وإن حاول كتمانها في سلوكه، فللمسألة جذور ثقافية ومجتمعية ضاربة في العقل الجمعي للشعوب العربية التي تمارس عنصريتها وعنجهيتها بعضها على بعض، على الرغم من أن دين أغلبيتها أرقى وأرفع من ذلك، ولا يفرّق بين أعجمي وعربي، ولا بين أبيض وأسود، إلا بالتقوى والعمل الصالح.

ففي القرآن يقول المولى عزّ وجلّ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ". وفي الحديث الصحيح يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". وفي حديث آخر يقول "رُبَّ أَشعَثَ أَغْبرَ ذِي طِمْرَينِ مَدفُوعٍ بالأبوابِ لَو أَقسَمَ على اللهِ لأَبَرَّهُ".

أما بالمعنى المأساوي القمعي، حدّث ولا حرج، ففائض الاستبداد العربي يمكن أن يملأ كتباً ومجلدات. ولن نذهب بعيداً. خذ مثلاً عمليات الخطف والاعتقال والقتل والسحل والإهمال في السجون التي يتعرّض لها المواطن العربي، سواء في مصر أو سورية أو السودان أو المغرب أو لبنان أو فلسطين أو الأردن أو اليمن أو السعودية أو الإمارات أو غيرها من بلدان العرب التي ابتليت بالفساد والاستبداد، فلدينا محمد بوعزيزي الذي أشعل نفسه رداً على معاملة الشرطة له، ولدينا أيضاً خالد سعيد الذي حلّت ذكرى قتله العاشرة على أيدي قوات الأمن المصرية عام 2010 قبل أيام.

وخذْ مئات آلاف من السوريين الذين قضوا وقتلوا على أيدي نظام بشار الأسد، ومثلهم تحت حكم أبيه حافظ الأسد. كذلك خذْ ما حدث للصحافي السعودي الراحل جمال خاشقجي الذي قُتل غدراً في قنصلية بلاده بإسطنبول، وتم تقطيع جثته وإخفاؤها على أيدي السلطات السعودية.

وأخيراً، انظر حولك كي ترى كيف تتعاطى دولة كمصر مع مرضاها الذين أصابهم فيروس كوفيد - 19، والذين يموتون على أبواب المستشفيات نتيجة للإهمال، والعنصرية الطبية في التعاطي معهم.

مأساة هؤلاء جميعاً لا تقل عن مأساة جورج فلويد. الفارق فقط أن في أميركا مجتمعاً نابضاً، وقوى حيّة واعية، وإعلاماً حقيقياً يدافع عن المستضعفين ويتعاطف معهم، ومؤسسات راسخة تحفظ الحقوق وتحاسب المجرمين.

أما في بلادنا فالوضع بائس. ويشعر المرء بالحزن والأسى حين يرى مئات آلاف يتظاهرون تضامناً مع جورج فلويد ومع السود والمهمّشين حول العالم، بينما العالم العربي يغط في نوم عميق، ولا تدري شعوبه هل تنتفض دفاعاً عن فلويد وأمثاله في بلاد العرب والمسلمين، وهم كُثر، أم تفرح وتتشفى في أميركا ورئيسها ونظامها أملاً في سقوطه!


خليل العناني
كاتب وباحث مصري
نقلًا عن موقع العربي الجديد