مشروع قانون حرية التعبير في العراق: انتهاك جديد يرتكبه مجلس النوَّاب

عمر عبد الله

كُرّست حرية التعبير في الدستور العراقي منذ عام 1925، وهو تاريخ أول دستور عراقي، والذي أُطلق عليه حينها القانون الأساسي للعراق. نصّ الدستور في الجزء الأول المسمى حقوق الشعب في مادته الثامنة عشرة على أنَّ “للعراقيين حرية التعبير عن الآراء ونشرها والالتقاء بها وتكوين الجمعيات والمشاركة فيها ضمن القانون”. وكانت هذه الفقرة هي الوحيدة التي تنص على حرية التعبير.

في ذات العام، سرعان ما أدخل المشرعون تعديلات على الدستور ليسمى بعدها (القانون المعدل للقانون الأساسي للعراق)، وكانت هذه التعديلات تتعلق بمجلس الملوك والشخصيات البارزة، كما أجرى المشرعون تعديلًا ثانيًا على الدستور أكثر عمومية وشمولية في تفصيل بعض جوانب الحياة السياسية، وبدأ التركيز على مفهوم الحريات العامة، ومفهوم حقوق الإنسان.

أما بالنسبة للدستور المؤقت لعام 1958، الذي كتب نهاية العمل بدستور 1925، فقد ورد ذكر حرية التعبير في المادة الثلاثين منه، إذ أشارت الفقرة العاشرة إلى حرية المعتقد والتعبير التي يكفلها وينظمها القانون. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفقرة شكَّلت انتقاصًا من الضمانة التي وردت في دستور العام 1925، الذي أشار صراحة إلى ضمانات الحق في الرأي والنشر، في حين أنَّ فقرة دستور عام 1958 أشارت إلى حرية المعتقد والتعبير فقط.

أمَّا دستور العام 1964 المؤقت، الذي توسع عن الدستور المؤقت السابق بـ(29) مادة، فقد نص على أن حرية الرأي وحرية البحث العلمي مكفولتان، وأن لكل شخص الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالكلمات والكتابة والصور وما إلى ذلك في نطاق القانون، كما أكّدت المادة (30) أن حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة في نطاق القانون.

كرّر الدستور العراقي الانتقالي في 21-9-1968 الفقرة (29) نفسها من الدستور السابق، ولكن كان له تسلسل في المادة (31) يضمن حرية الرأي والبحث العلمي، بحيث نصَّ على أنَّهُ “لكل شخص الحق، بموجب القانون في التعبير عن الآراء ونشرها بالكلمات والجمل والصور وغيرها من الطرق”، دون أي تعديلات، كما نصت المادة (32) من الدستور المؤقت لعام 1968 على أنه “وفقاً لمصالح الناس في إطار القانون حرية الصحافة والطباعة والنشر مصونة”.

لا تنظم هذه الفقرة حرية الصحافة وفقا لحدود القانون فحسب؛ بل تقارنها أيضا بـ(مصالح الشعب) قبل ذلك. وهذا النص فيه تقييد فضفاض آخر، إذ إنَّ مصطلح “وفقاً لمصالح الناس” يمكن تفسيره بشكل يُقوِّض الحق في حريَّة الرأي والتعبير بحسب أهواء من هم في السلطة.

تبع الدستور المؤقت لعام 1968 دستور مؤقت آخر لعام 1970، والذي سُمّي الدستور المؤقت لجمهورية العراق. ويكفل الدستور في الفقرة (26) منه حرية الرأي والنشر والاجتماعات والمظاهرات وإنشاء الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، في نطاق القانون وفقا لمقاصد الدستور.

أمَّا فيما يتعلق بمشروع دستور عام 1990 الذي لم ير النور، فقد نصت المادة (53) منه على حرية الفكر والرأي والتعبير، وكلفت الحصول عليها بوسائل إعلامية وثقافية، وينظم القانون ممارسة هذه الحريات. أما المادة (54) فتحدِّد أن حرية الصحافة والنشر مكفولة، وينظم القانون ممارسة هذه الحرية، ولا تفرض الرقابة على الصحف والمصنفات إلا بموجب أحكام القانون.

وغالبا ما تحمل جميع نصوص الدستور العراقي وضعا مؤقتا في فقرات خجولة، وترتبط هذه الحرية بحرية الرأي والتعبير والنشر (القوانين التي تنظمها) أو الرؤية (التوجيه الثوري) أو الحزب – نسبةً للحزب الحاكم كحزب أوحد في البلاد –، وغالبا ما يرتبط نص الدستور بالقوانين المكتوبة.

بعد عام 2003، صدرت العديد من القوانين والأوامر المؤقتة التي هدفت إلى تنظيم الأنشطة الإعلامية في العراق، وجاء الأمر الأول برقم (14)، وصدر عن سلطة الحاكم المدني الأمريكي للعراق “بول بريمر”.

لكن قبل مراجعة الأمر الخاص بالتعامل مع وسائل الإعلام، وقبل إجراءات “بريمر” بشأن حرية التعبير والتعامل والتعاطي مع وسائل الإعلام، ينبغي الإشارة إلى أنّ هذه الإجراءات تتعارض مع ما جاء في مؤتمر أثينا الذي عقد في حزيران/يونيو 2003، والذي التقي فيه أكثر من خمسة وسبعين مهتمًا بالشأن الإعلامي في العراق لوضع إطار اعلامي، وإعداد المسودة الاولى لبناء وسائل إعلام عراقية وُصفت أنها ستكون حرة وتعددية تمارس وتعزز وتحمي حرية التعبير.

وكان هدف هذا الجهد العمل على إصلاح القوانين القديمة؛ علماً أن هناك العديد من الأحداث التي انتهكت حرية التعبير وممارستها وتعزيزها وحماية الأشخاص الناشطين والصحفيين. وكان الغرض من هذا الجهد هو العمل على إصلاح قانون القضاء القديم، وطالب المؤتمر أولا بإصدار بيان فوري من السلطات المؤقتة لإلغاء جميع قوانين وقرارات الإدارة السابقة المتعلقة بالإعلام.

ويشمل ذلك الأحكام القانونية العادية والجزائية، بما في ذلك الرقابة الصارمة والكاملة على الصحافة المطبوعة، وأحكام السجن أو حتى الإعدام للمتهمين بانتقاد المسؤولين الحكوميين.

كما طالب بإلغاء جميع العقوبات السالبة للحرية (العقوبات السجنية) في التشريعات اللاحقة، إذ إن أحكام السجن هي عقوبات غير مناسبة للاتهامات الموجهة إلى الصحافة، وطلب المؤتمر ببيان من السلطات المؤقتة توضح فيه بأن اللوائح أو القيود المفروضة على وسائل الإعلام تخضع لمعايير حقوق الإنسان المعترف بها دولياً، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

ومع ذلك، فإن أحدث التشريعات المتعلقة بحرية التعبير هي الدستور العراقي الدائم، والوثيقة الختامية التي تم التصديق عليها في الاستفتاء العام الذي عقد في 15 ديسمبر/ كانون أول 2005، فقد جاء في الفصل الثاني منه ذكر: (الحرية)، أولها المادة (38) والتي ذكرت حرية التعبير بكل الوسائل، والفقرة (2) من نفس المادة: حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر.

تعد المادة 38 من الدستور العراقي خطوة إلى الأمام في تعزيز بيئة حرية التعبير في العراق، ولكن عدم وجود تشريعات قانونية ضامنة لهذا الحق أو على الأقل لا تجرم ممارسته عبر مصطلحات فضفاضة، ووجود دلائل وحقائق أخرى أمنية مثيرة للقلق، ومحاولات السلطات التدخل كانت تنبئ بأنها ليست خطوة إلى الأمام في ضمان حرية التعبير؛ بل إنها تقييد لحرية التعبير، لأنها تشكل نقطة ضعف في هذه المادة الدستورية وتحولها إلى مجرد نص يفقد سلطته المفترضة.

في إعلان صادر عن وزارة الداخلية في شهر مايو/ أيار من عام 2007، تقرر منع المراسلين من الاقتراب من مكان الأحداث والانفجارات، ووصفت الوزارة هذه الخطوة بأنها إجراء احترازي لضمان سلامة وحياة العاملين في مجال الإعلام من التفجيرات المتزامنة في نفس المكان. في حين عدها كثير من المراقبين منعًا للصحافيين والناشطين من الوصول إلى الحقيقة.

مشروع قانون حريَّة التعبير

مرة أخرى، وضعت مسودة لتعديل مشروع قانون حرية التعبير عام 2011، ونوقش أكثر من مرة، كان أخرهها في نهاية عام 2023. يُشكِّل مشروع القانون أداةً للمحاكمات التعسفية لأي شخص يدلي بتعليقات عامة تنتهك “الآداب العامة” أو “النظام العام”.

وإذا ما تمَّ إقرار ذلك بالإضافة إلى إقرار مشروع قانون الجرائم المعلوماتيَّة، فقد يواجه الذين ينشرون محتوى عبر الإنترنت، يُعتبر أنه يمسّ بـ “مصالح البلاد الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية أو الأمنية العليا”، عقوبة تصل إلى السجن مدى الحياة، ودفع غرامة تصل إلى 50 مليون دينار عراقي (حوالي 38,000 دولار أمريكي)، فضلاً عن احتواء مشروع القانون على العديد من الإخفاقات ونقاط الضعف، وعدم مواءمته لكافة جوانب الحقوق المنصوص عليها في القانون الدولي والدستور.

عرُض القانون للتصويت في أكثر من دورة برلمانية، وجرى إعادة صياغته ليتضمن بعض التعديلات، لكنه ما يزال يضم الكثير من المواد التي يمكن استخدامها لتقييد حريَّة التعبير والمتعارضة مع مبادئ حقوق الإنسان شكلًا ومضمونًا.

الانتهاكات الشكليَّة

لابُدَّ من الإشارة إلى أنَّ إقرار قانون لتنظيم حريَّة الرأي والتعبير هو انتهاك للدستور العراقي والتزامات العراق الدوليَّة بحد ذاته. فالمادَّة 38 من الدستور العراقي تقرّ الضمانة للحق في حريَّة الرأي والتعبير دون الإشارة إلى وجوب تنظيم هذا الحق بقانون، والمادَّة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة أيضاً تقر نفس الضمانة مع نطاق ضيِّق جداً لتقييد هذا الحق.

وبالتالي فإنَّ إقرار قانون يخلق مفاهيم جديدة لتنظيم الحق في حريَّة الرأي والتعبير ويضع قيوداً جديدة أيضاً، يُشكل انتهاكاً في الشكل للحق في حريَّة الرأي والتعبير.

أيضاً، يجمع مشروع القانون بين كل من الحق في حريَّة الرأي والتعبير، والحق في التجمع السلمي والحق في الوصول إلى المعلومات؛ على الرغم من ترابط هذه الحقوق الوثيق في ما بينها، إلَّا أنَّ مشروع القانون كان خلط بين هذه المفاهيم وهو ما يُنشئ حالة من عدم استقرار الحقوق وعدم فهم كيفيَّة احترامها وممارستها سواء من الجهات الرسميَّة أو المواطنين.

بالإضافة إلى ذلك، يبتعد مشروع القانون عن الأهداف الرئيسيَّة لإيجاده ليُعالج مسائل تتصل بالحق في الوصول إلى المعلومات الذي يجب أن يكون منظماً عبر قانون منفصل ويحترم تسعة مبادئ اعترف بها المقرر الخاص بحريَّة الرأي والتعبير في تقريره للعام 2000 أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. بالإضافة إلى المسائل المتعلِّقة بالانتخابات وحريَّة البحث العلمي.

كما ابتعد المشرّع في صياغته للمشروع عن الأدبيات المثلى للتشريعات المعمول بها، فقد وردت ألفاظ وجمل كثيرة مكررة وناقصة ومتعارضة مع بعضها، وغير دقيقة في التعبير عن مفردات حرية التعبير، فقد خلط ما بين حرية التعبير ووسائل حرية التعبير وأدواتها فلم يقدم تعريفاً لها، واقتصر النص فقط على أشكال التعبير.

يتنافى ذلك مع الضمانات الدستوريَّة وبعض أحكام الدستور كالمادَّة 2 من الدستور التي تمنع إقرار أي تشريع يتعارض والمبادئ الديمقراطيَّة وحقوق وحريَّات العراقيين.

بالإضافة إلى المادَّة 8 من الدستور التي تنص على احترام العراق لالتزاماته الدوليَّة. تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ ضمانات الحق في حريَّة الرأي والتعبير الواردة في الدستور العراقي تتواءم مع ما جاء في المادَّة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة.

الانتهاكات الموضوعيَّة

تضمَّن مشروع القانون بعض الأحكام التي تشكل انتهاكات موضوعيَّة للحق في حريَّة الرأي والتعبير والحق في التجمع السلمي كأداة لممارسة الحق الأول. فيشترط المشروع أخذ الإذن المسبق من رئيس الوحدة الإداريَّة المعنيَّة لتنظيم تجمع ما وممارسة الحق في حريَّة الرأي والتعبير، وهو ما يتعارض ما كل من التعليق العام رقم 34 والتعليق العام رقم 37 الصادرين عن لجنة الأمم المتحدة المعنيَّة بحقوق الإنسان التي توضح بأنَّهُ من الأفضل عدم اشتراط أي إجراء مسبق لممارسة الحقين، لكن في حال أرادت الدول وضع أي شرط مسبق فيجب أن يقتصر على نظام إعلام السلطات بالتحرك وليس أخذ الإذن منها.

ويضع مشروع القانون عدداً من القيود على الحق في حريَّة الرأي والتعبير تتمثّل في حظر كل يُشكل دعاية للحرب أو الأعمال الإرهابيَّة أو الكراهية القوميَّة، أو العنصريَّة الدينيَّة أو الطائفيَّة؛ كما يحظر كل ما من شأنه الطعن في الأديان والمذاهب والطوائف والمعتقدات والانتقاص من شأنها أو شأن معتنقيها. إنَّ هذه المحظورات، وإن كانت بالشكل تتواءم مع القيود التي يحدِّدها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة وتأخذ في عين الاعتبار السياق السياسي والاجتماعي للعراق، إلَّا أنَّهُ قد يتم استخدامها في العديد من الطرق ومن العديد من الجهات الرسميَّة والجهات الحزبيَّة لتقويض الحق في حريَّة الرأي والتعبير في العراق، خاصَّةً في ظل الفساد المستشري وضعف استقلاليَّة القضاء بالإضافة إلى تدخل السياسية في كافَّة مفاصل الدولة.

كما يتضمَّن مشروع القانون عقوبات جزائيَّة سالبة للحريَّة تشكل انتهاكاً للمادَّة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة والتي بحسب التعليق العام رقم 34 المشار إليه أعلاه تحظر استخدام العقوبات الجزائيَّة سواء الحبس أو الغرامات في قضايا الحق في حريَّة الرأي والتعبير وتستبدل ذلك بقضايا التعويض إن كان لها من مقتضى.

سُبل المضي قدمًا

في ظل الملاحظات المسجلة آنفاً حول مشروع القانون، لاسيَّما تلك المتعلِّقة بالشكل بضرورة عدم تقييد الحق في حريَّة الرأي والتعبير بقانون مخصَّص لهذه الغاية فقط، فإنَّهُ من الضروري أن يَعدل مجلس النوَّاب العراقي عن هذا المشروع ويسحبه من التداول والتأكيد على الضمانة الدستوريَّة والالتزامات الدوليَّة الخاصَّة بهذا الحق.

ينبغي أيضًا العمل على إلغاء كافَّة النصوص الجزائيَّة إن كان في قانون العقوبات أو غيره من القوانين التي ترعى تنظيم الحق في حريَّة الرأي والتعبير، والتي تقرّ عقوبات الحبس والغرامات في القضايا المتصلة بحريَّة الرأي والتعبير، وحصر الآثار القانونيَّة في هكذا قضايا بالتعويضات المدنيَّة فقط، وذلك تماشياً مع ما جاء في التعليق العام رقم 34 الذي يوضح كيفيَّة التزام الدول المصادقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسياسيَّة – العراق منها – بالمادَّة 19 منه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *