ثلاث وفيات في أسبوع: سياسة “صفر نقاط استقرار” تحصد مزيدًا من أرواح المهاجرين على الحدود الفرنسية البريطانية

إميلي الهوج تومسن

باحثة لدى المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان

توفي ثلاثة من طالبي اللجوء على الحدود الفرنسية البريطانية الأسبوع الماضي، لينضموا إلى قائمة طويلة من ضحايا سياسات الحدود التي تنتهك حقوق الإنسان والحقوق الأساسية.

منذ تفكيك مخيم “الغابة” في “كاليه” الفرنسية عام 2016، يعيش المهاجرون وطالبو اللجوء في فرنسا في تجمعات غير رسمية في “كاليه” و”دونكيرك” قبل انطلاقهم إلى المملكة المتحدة عبر بحر المانش لطلب اللجوء هناك.

خلال محاولتها عبور بحر المانش على قارب صغير، توفيت طالبة لجوء إريترية بسبب ما يُعتقد أنها نوبة قلبية، حيث قالت منظمة “Care4Calais” إنّ المرأة تعرضت للدهس بالأقدام على متن القارب وفقدت وعيها ثم ألقيت في البحر، فقفز زوجها خلفها وأعادها إلى الشاطئ، إلّا أن خدمات الطوارئ لم تتمكن من إنقاذ حياتها.

مع اقتراب حيز تنفيذ قانون مكافحة الهجرة غير القانونية – اقرأ المزيد هنا حول سبب انتهاكه لقوانين حقوق الإنسان الدولية – واقتراب فصل الشتاء، ستصبح محاولات المهاجرين وطالبي اللجوء في شمال فرنسا لعبور بحر المانش أكثر استماتة.

منذ مطلع العام الجاري، اعترض خفر السواحل البريطاني محاولة 24,293 شخصًا لعبور البحر في قوارب صغيرة ومن ثم نقلهم إلى أراضي المملكة المتحدة.

بدون ممر آمن من فرنسا لطلب اللجوء في المملكة المتحدة، سيستمر عبور المهاجرين وطالبي اللجوء في هذه القوارب الصغيرة، وسيفقد أناس آخرين أرواحهم في هذه المحاولات الخطيرة.

في نهاية الأسبوع الماضي، توفي طالب لجوء أثناء المشي على طول مسارات القطار في ضواحي “كاليه” بالقرب من التجمعات السكنية غير الرسمية للمهاجرين في المدينة، إذ يضطر المهاجرون وطالبو اللجوء إلى تجنب الوجود الدائم في تلك التجمعات بسبب المداهمات المتكررة للشرطة، ويلجأون للعيش في ظروف خطرة بالقرب من مسارات القطارات، مما يعرضهم لخطر الاصطدام بالقطارات المارّة التي تصل سرعتها إلى 112 كم/ساعة، وقد تعرّض بالفعل خمسة مهاجرين لحوادث قطارات في المنطقة في العامين الماضيين.

تناول تقرير لمنظمة “مراقبي حقوق الإنسان” (HRO) عواقب سياسة إزالة جميع التجمعات غير الرسمية التي يُقيم فيها المهاجرون وطالبو اللجوء في فرنسا، أو ما يعرف بسياسة “صفر نقاط استقرار” (Zéro point de fixation).

إذ وثّق التقرير عنف الشرطة الفرنسية خلال مضايقاتها اليومية للمهاجرين وطالبي اللجوء، وعمليات الإخلاء الأسبوعية لنقاط إقامتهم، والتي وصلت إلى 54 عملية إخلاء خلال شهر يونيو/ حزيران 2023 فقط.

تتطلب عمليات إخلاء تجمعات الإقامة غير الرسمية للمهاجرين وطالبي اللجوء نقل خيامهم لمسافات تتراوح بين مترين إلى 500 متر، ما يدفعهم أكثر فأكثر إلى مناطق سكنية غير مستقرة.

لا تسمح هذه السياسة بتوفير مستوى معيشي لائق على النحو المنصوص عليه في المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة (11) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واللتان تنصان على وجوب ضمان حق كل فرد في التمتع بمستوى معيشي لائق، بما يشمل المأوى والغذاء والوصول إلى المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي والنظافة العامة.

وفي حالة أخرى، غرِق نازح في قناة “بوربورج” بالقرب من أكبر تجمع غير رسمي لإقامة المهاجرين وطالبي اللجوء في مدينة “دونكيرك” الفرنسية، وهي الوفاة الثانية في القناة التي يكثر استخدامها للاغتسال، حيث توفي طالب لجوء العام الماضي في ظروف مشابهة في ذات المكان.

تنتهك سياسة “صفر نقاط استقرار”، إلى جانب امتناع السلطات عن توفير مرافق المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية –التي تطوعت لتوفيرها المنظمات غير الحكومية مثل منظمة “روتس” ومجتمع كاليه للغذاء– حقوق الإنسان في الحياة والصحة والكرامة والحماية من المعاملة المهينة، والتي تضمنها القوانين الدولية لحقوق الإنسان التي يجب على فرنسا احترامها والالتزام بها وأبرزها: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي.

يعد الحق في الحصول على المياه أحد أهم الحقوق الأساسية، إذ ينص البند رقم (1) في التعليق العام رقم (15) للجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على أنّ “الماء مورد طبيعي محدود، وسلعة عامة أساسية للحياة والصحة. وحق الإنسان في الماء هو حق لا يمكن الاستغناء عنه للعيش عيشة كريمة. وهو شرط مسبق لإعمال حقوق الإنسان الأخرى… ويتعين على الدول الأطراف اعتماد تدابير فعالة لإعمال الحق في الماء، دون تمييز، على النحو المشار إليه في هذا التعليق العام”.

كما ينص التعليق العام أيضًا في البند رقم (16) أنّ “على الدول الأطراف أن تولي اهتمامًا خاصًا لفئات الأفراد والمجموعات التي تواجه بصورة تقليدية صعوبات في ممارسة هذا الحق، بمن فيها النساء والأطفال ومجموعات الأقليات والسكان الأصليون واللاجئون أو ملتمسو اللجوء والمشردون داخليًا والعمال المهاجرون والسجناء والمحتجزون.”

أدّت سياسة “صفر نقاط استقرار” الفرنسية، ورفض توفير السلطات مرافق المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية الكافية إلى وفاة هؤلاء المهاجرين غرقًا في قناة “بوربورج”، إضافة إلى حرمان جميع المهاجرين وطالبي اللجوء في “كاليه” و”دونكيرك” من حقوقهم الإنسانية والأساسية.

لا يمثّل انعدام خدمات المياه والصرف الصحي والعناية الطبية والنظافة الصحية التي من المفترض أن تقدمها الدولة الانتهاك الوحيد لحقوق الإنسان الذي ترتكبه فرنسا، فقد تطوّعتُ شخصيًا في صيف عام 2022 مع منظمة “Care4Calais” و”مجتمع كاليه للغذاء”، حيث أبلغني المهاجرون وطالبو اللجوء بتدمير وإفراغ الشرطة الفرنسية حاويات الطعام التابعة لـ”مجتمع كاليه للغذاء”، وكان ذلك خلال موجة الحر في يونيو/ حزيران من ذلك العام.

بدون أدنى شك، فإنّ الدولة الفرنسية هي الجاني في معظم الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون وطالبو اللجوء في فرنسا، فبدلًا من الوفاء بالتزاماتها فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان وحماية الأفراد والجماعات، تستحدث السلطات على نحو مستمر أساليب قمعية جديدة لمحاربة هذه الفئة الضعيفة، دون التعرّض لأي شكل من أشكال المساءلة الحقيقية من المجتمع الدولي.

منذ بداية عام 2023، وصل عدد الوفيات الموثّقة من المهاجرين وطالبي اللجوء على الحدود الفرنسية البريطانية إلى 14 حالة وفاة حتى تاريخ كتابة هذا المقال في أكتوبر/ تشرين أول، في حين توفي 379 مهاجرًا وطالب لجوء منذ عام 1999 بسبب سياسات الحدود بين فرنسا وبريطانيا.

إنّ جميع الأرواح التي تُزهق على الحدود هي مسؤولية الحكومتين الفرنسية والبريطانية اللتين ينبغي عليهما تحمل المسؤولية عن سياساتهما وممارساتهما الحدودية التي تنتهك حقوق الإنسان والحقوق الأساسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *