قتل الصحافية شيرين أبو عاقلة.. هل ينتظر العالم أن تعاقب إسرائيل نفسها؟

مها الحسيني، مديرة الاستراتيجيات في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان

كأطفال يعيشون في منطقة محتلة، حين تعرّفنا للمرة الأولى على مصطلح حقوق الإنسان وحظر استهداف الصحافيين إلى جانب الأطفال والنساء بشكل خاص، كان الأمر غير مألوف بالنسبة لنا؛ كيف يُعقل أن يكون كل ما نعايشه بشكلٍ يوميٍ محظورًا؟ ماذا يعني أن نتعلم مبادئ الأمم المتحدة في الكتب ونرى ضدها على الأرض؟ كان من الصعب لعقولنا الصغيرة أن تعي واقع أن يكون المحظور هو المعمول به. حين كبرنا، فقدنا تلك الدهشة تدريجيًا، لكن جزءًا من عقولنا بقي ضيقًا جدًا لاحتواء كل تلك الازدواجية.

 قُتلت الصحافية الفلسطينية “شيرين أبو عاقلة” أمس برصاصة إسرائيلية اخترقت رأسها، تلك الرصاصة ذاتها التي أُطلقت مرة واحدة منذ سبعين عامًا وبقيت ماضيةً حتى يومنا دون رادع، تزودها بالبارود مواقف حياد وإدانات دون فعل وصمت مطبق، ومؤخرًا علاقات دبلوماسية واقتصادية وسياسية وانطباعات بالإعجاب والتشجيع.

في مفهومنا صغارًا حين كنا نتعلم مبادئ حقوق الإنسان، كان هذا ليشبه إلى حدٍّ كبير أن ترسم المعلمة “نجمة” في كراسة طالب أساء الأدب.

شيرين أبو عاقلة هي الصحافية رقم 46 من الصحافيين الفلسطينيين الذين قُتلوا على يد قوات إسرائيلية في الأراضي الفلسطينية منذ عام 2000، بمعدل صحافيين اثنين سنويًا.

وبينما توثق المنظمات الحقوقية عشرات الانتهاكات ضد الصحافيين بشكلٍ يومي، تبقى النسبة الأكبر من الاعتداءات غير موثقة على الأرض، وتشمل التهديد والترهيب والابتزاز والحرمان من الحقوق الأساسية في التعبير والحركة والسفر والعلاج وغيرها، عقابًا للصحافيين على عملهم السلمي والمشروع.

وفي الوقت الذي يمثل فيه قتل شيرين أبو عاقلة اعتداءً صارخًا على القانون الدولي الإنسان وقد يرقى لجريمة حرب وفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن هذا الاعتداء وغيره من الانتهاكات التي تشهد تصاعدًا ملحوظًا خلال الأعوام الأخيرة تعكس حقيقةً أخطر من مجرد حادثة قتل أو نيّة لاستهداف الصحافيين والمدنيين؛ هي ترجمة ملموسة لعواقب “النجمة” التي رُسمت على الكراسة.

ففي قواعد النظام الدولي، تواجَه الدولة التي تنتهك القوانين والاتفاقيات الدولية، خاصة تلك التي يترتب عليها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، بالعقوبات الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية، فيما تُجازى تلك التي تقدم إنجازًا بارزًا على طريق حقوق الإنسان بالتقدير والدعم والإسناد. في معادلة التعامل مع إسرائيل، وخلال عقود ممتدة، يحدث عكس ذلك تمامًا؛ فيجري دعم مرتكب الانتهاك بشكلٍ واضح، ويتم التعامل بلغة الحياد الفضفاضة مع ضحيته.

بعد ساعات من قتل أبو عاقلة، وعد وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، بإجراء تحقيق شامل في الحادثة لمعرفة ملابساتها وتحديد الفاعل. جاء ذلك بعد نحو عشرة أيام على نشر مركز عدالة مقطعًا مسربًا يُظهر محققَين إسرائيليَّين يشكوان ضغوطًا سياسية إسرائيلية تهدف إلى إغلاق ملف التحقيق لتبرئة إسرائيليين متورطين بمقتل المواطن الفلسطيني “موسى حسونة” في مدينة اللد العام الماضي.

والحقيقة أن المقطع المسرب لم يقدم طرحًا جديدًا بقدر ما قدمه حيًّا ومصوّرًا ليثبت ضرورة ما طالبت به منظمات حقوقية ودولية طوال سنوات؛ لا يمكن لمرتكب الانتهاك أن يحقق في جريمته ويحافظ على حياده.

في مقابلة معه عبر إذاعة 103 إف إم الإسرائيلية اليوم الخميس، قال وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، نحماي شاي: “مع كل الاحترام لنا، دعنا نقول أن مصداقية إسرائيل ليست عالية جدًا في مثل هذه الحالات. نحن نعرف ذلك بناءً على [تجارب] الماضي”

خلال سنوات، فتحت السلطات الإسرائيلية تحقيقات عديدة في حوادث قتل فردية وجماعية لفلسطينيين، بما في ذلك الهجمات العسكرية على قطاع غزة والاستهداف الجماعي للمدنيين خلالها، وحادثة قتل الصحافي الفلسطيني “ياسر مرتجى” خلال تغطيته للتظاهرات على حدود قطاع غزة عام 2018، وحادثة قتل المسعفة الفلسطينية “رزان النجار” التي قتلت خلال نفس الفترة، إلى جانب حادثة قتل الشاب الفلسطيني المُصاب بالتوحد “إياد الحلاق”، والذي أعدمته قوة إسرائيلية في مدينة القدس، ثم في بداية العام الحالي، قتل المسن الفلسطيني ذي الـ 78 عامًا “عمر أسعد”، وغيرها العديد من الحوادث التي اكتفت بعدها السلطات الإسرائيلية إما بإغلاق ملفات التحقيق في أغلب الحالات، أو بمحاسبة شكلية بعيدة عن معايير العدالة في حالات نادرة، شملت “توبيخ” المسؤولين وحرمانهم من المناصب القيادية لمدد قصيرة الأجل، واتخاذ قرارات بالفصل في إجراءات لا ترقى لفداحة الانتهاك أو الجريمة المرتكبة.

وفي جميع الحالات، جاءت قرارات فتح التحقيقات في حوادث القتل بعد إدانات دولية واسعة، كحقنة مخدرة لاحتواء غضب الرأي العام العالمي، في الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل بانتهاج سياسة امتدت على مدار سنوات تجاه رفض التعاون أو عرقلة عمل أية لجان دولية وأممية تُشكل للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

على سبيل المثال، خلال الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014، قالت منظمات دولية وأطباء على الأرض إن القوات الإسرائيلية استخدمت أسلحة غير تقليدية ضد المدنيين، بما في ذلك أسلحة الدايم والقنابل المسمارية.

بناءً على ذلك، شكلت الأمم المتحدة لجنة تحقيق مستقلة مهمتها التحقيق في جرائم حرب المحتملة وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال الهجوم من قبل القوات الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية المسلحة، لكن الحكومة الإسرائيلية رفضت التعاون مع فريق اللجنة وعرقلت عملها بشكل واضح، من خلال منعها والمقرر الخاص الأسبق للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 “مكارم ويبيسونو” من الدخول إلى قطاع غزة، واستمرت في عرقلة عمله حتى قدم استقالته أخيرًا في يناير 2016.

أما المقرر الخاص الذي لحقه، “مايكل لينك”، والذي تم تعيينه عام 2016، فقد منعته السلطات الإسرائيلية هو الآخر من الدخول إلى الأراضي الفلسطينية في أكتوبر 2019، واستمرت كذلك بعرقلة عمله في حالات عدة.

لذلك، فإن أي لجان تحقيق تشكلها إسرائيل في حادثة قتل الصحافية شيرين أبو عاقلة أو غيرها من عمليات القتل والإعدامات الميدانية غير المبررة تبقى -إلى حد كبير- تشكل غطاءً قانونيًا للانتهاكات، وتعطي ضوءًا أخضر لمرتكبيها للاستمرار.

إلى جانب ذلك، فإن خطوة فتح تحقيق دولي مستقل في الحادثة تبقى هي الأخرى دون تأثير يُذكر، إن لم تُفضِ إلى محاسبة المتورطين  ووضع حد للاستهداف الإسرائيلي الممنهج للعمل الصحافي في الأراضي الفلسطينية.

إدانات رسمية للهجوم الإسرائيلي على جنازة شيرين أبو عاقلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.