معارك الحصول على الخدمات الأساسية تهجّر اللبنانيين إلى تركيا وقبرص

إيناس شرّي

“ارتفعت أسعار الشقق في لارنكا ونيقوسيا بسبب إقبال اللبنانيين على استئجارها، تماماً كما حصل في لبنان عندما وصل السوريون إليه قبل أعوام”، يقول أحد اللبنانيين الواصلين مؤخراً إلى قبرص لـ “المفكرة القانونية” ويضيف: “السوريون هربوا من الحرب، ونحن نهرب من المعارك اليومية التي فرضت علينا مقابل حصولنا على غذائنا ودوائنا وأمننا، نهرب من معارك خاسرة كانت لتكلّفنا حياتنا، لقد نجونا”.

بالفعل، فقد تحوّلت الرغبة في الحصول على الخدمات الأساسية من دواء وكهرباء أو ربما مجرّد صفيحة بنزين توصل المواطن إلى عمله أو خدمة إنترنت تتيح له العمل عن بعد، إلى أسباب تدفع العديد من اللبنانيين مؤخراً إلى اتخاذ قرار السفر والاستقرار خارج لبنان وتحديداً في تركيا وقبرص البلدين القريبين اللذين يسهّلان الإقامة فيهما، فتوجّه مئات اللبنانيين إلى هاتين الدولتين طمعاً فقط بالخدمات أو بتسجيل أبنائهم وبناتهم في المدارس.

قبرص خيط نجاة تمسّك به اللبنانيون

تختلف ربما التفاصيل التي يرويها اللبنانيون عن قرارهم ترك بلدهم والاستقرار في قبرص، ولكنّ خيطاً واحداً يبدو وكأنّه يربط هذه التفاصيل ببعضها البعض بوضوح. خيط يصحّ وصفه بخيط “النجاة”، فاللبنانيون الذين اختاروا الاستقرار في قبرص بمعظمهم من الميسورين، حسب ما يكرّر معظم من تواصلنا معهم، فهم من الهاربين من الموت المجّاني فقط، من موت بسبب عدم القدرة على تأمين الدواء، أو إثر رصاصة طائشة قرّر أحد الأشخاص إطلاقها على محطة وقود، أو ربما من جرعة يأس زائدة قد تصيبهم آخر الليل وهم يرسمون مستقبل أولادهم، “فالأمر بمثابة فرصة جديدة لحياة طبيعية، لا نحمل فيها همّ أمور توافُرُها يجب أن يكون بديهياً” تقول لارا (مهندسة،  36 عاماً) التي وصلت منتصف شهر أيلول الماضي إلى نيقوسيا مع زوجها وولديها.

لم تكن لارا وزوجها توفيق يفكران يوماً في السفر بهدف الاستقرار خارج لبنان، “نعمل في شركة كبيرة في بيروت، راتبنا جيد وبالدولار الأميركي، لدينا منزل جميل نحبّه كثيراً، فلماذا عسانا أن نترك لبنان” تقول لارا، مشيرة إلى أنّ الشركة التي تعمل بها وزوجها سبق أن عرضت عليهما الانتقال إلى قبرص بداية العام الحالي، كون عملهما يتمّ عن بعد، لكنّهما لم يفكرا في الأمر حينها، فالفكرة كانت غير واردة أبداً، إلّا أنّ الحصول على الخدمات الأساسية في لبنان بات غير متاح حتى لميسوري الحال.

“قد نحتمل انقطاع الكهرباء والبنزين، قد نحتمل أموراً عديدة، ولكن عندما وصل الأمر إلى صحّة زوجي بدأت أفكّر جدّياً بالسفر، فقد تعرّض لوعكة صحّية ولم نجد دواءه ولا حتى طبيبه الذي هاجر”، تقول لارا موضحة أنّ هذا الأمر دفعها وزوجها إلى التفكير في السفر من أجل الاستقرار خارج لبنان. لكنّ ما حسم القرار بشكل نهائي كان خوفها من أن تضيع سنة دراسية على ولديها بعدما بات التعليم الحضوري صعباً في ظلّ أزمة البنزين والتعليم عن بعد مستحيلاً بسبب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة وضعف خدمة الإنترنت.

لم يطل الأمر كثيراً، أسبوع واحد وأصبحت لارا وعائلتها في نيقوسيا بعدما نقلت الشركة العائلة إلى هذه المدينة تماماً كما فعلت مع 90 لبنانياً آخراً.

تلخّص لارا سبب سفرها إلى قبرص وقرارها الاستقرار هناك بعبارة واحدة “البحث عن الخدمات الأساسيّة والنجاة بولدينا”، أمّا زوجها توفيق فيتحدّث لـ “المفكرة” عن شعور لازمه خلال العامين الأخيرين في لبنان لم يعد باستطاعته تحمّله، شعور بأنّ الإنسان في لبنان بلا قيمة، شعور تعزّز بعد انفجار الرابع من آب لاسيّما أنّ أحداً من المذنبين لم يحاسب إلى الآن.

يخبر توفيق تفاصيل انتقاله إلى قبرص وصوته عبر الهاتف يغصّ بشكل واضح، ويقول “ليست غصّة ترك بلدي، إنّها غصّة متعلقة بأمي التي رفضتُ عشرات عروض السفر من أجلها، لأبقى إلى جانبها وأنا وحيدها، لكن في النهاية لم يبق لي خيار آخر، تركت لبنان ولا أفكّر في العودة، لا أمل لي بأن يتغيّر الوضع، ولا أظن أنّ ولديّ اللذين سيحصلان عاجلاً أم آجلاً على جواز سفر أوروبي سيعودان يوماً”.

يرتاد ولدا لارا وتوفيق حالياً المدرسة الوحيدة التي تقدّم تعليماً باللغة الفرنسية في نيقوسيا، هذه المدرسة التي استقبلت وحدها 250  تلميذاً لبنانياً حسب ما يكرّر اللبنانيون هناك، ووصلتها طلبات التحاق من أكثر من 700 تلميذ لبناني أسماء معظمهم على لائحة الانتظار للعام الدراسي المقبل كما يقول أحد اللبنانيين الذي حاول تسجيل أبنائه في المدرسة لـ “المفكرة” موضحاً أنّه تمّ قبول اثنين منهم ووُضِع الثالث على لائحة الانتظار فاضطرّ إلى العودة إلى لبنان على أن يحجز لهم أي الثلاثة مقاعد دراسية في هذه المدرسة العام المقبل.

سفارة قبرص تعجّ باللبنانيين

لا توجد أرقام دقيقة عن عدد اللبنانيين الذين توجّهوا مؤخّراً إلى قبرص بهدف الاستقرار هناك، إلّا أنّ سفير قبرص في لبنان بانيوتس كرياكو يؤكّد لـ “المفكرة” أنّ عدد طلبات تأشيرات السفر إلى قبرص ولاسيّما السياحية منها شهدت مؤخراً ارتفاعاً ملحوظاً، إذ سجّلت منذ حزيران حتى اليوم أي خلال أقلّ من ستة أشهر الأعداد ذاتها التي عادة ما تسجّلها سنوياً والتي تتراوح ما بين 40 و60 ألف لبناني عدا الأشخاص الذين كانت تأشيراتهم سارية من قبل، ومن يحمل تأشيرة أوروبية “شنغن”.

ويشير كرياكو في حديث مع “المفكرة” إلى أنّ عدد اللبنانيين الذي توجّهوا إلى قبرص تراجع العام الماضي بشكل كبير بسبب وباء كورونا وما فرضه من إجراءات وتدابير منها الإقفال، ليعود ويرتفع هذا العام وأنّ الأعداد لا تزال في تزايد ما استدعى زيادة عدد الموظفين في وحدات معيّنة لتلبية الطلب من قبل اللبنانيين للسفر إلى قبرص، لافتاً إلى أنّ عنصرين جديدين كانا واضحين في موضوع توجّه اللبنانيين إلى قبرص مؤخّراً أوّلهما انتقال مؤسّسات كاملة مع عمّالها وموظفيها، والعامل الآخر إقبال اللبنانيين على المدارس بسبب أزمة الكهرباء، إذ لم يعد الأمر مجرّد زيارة بل استقراراً لسنوات وهذا يحصل لأوّل مرّة بهذه الأعداد.

ويلفت السفير إلى أنّ الأشخاص الذين نقلوا أعمالهم والموظفين إلى قبرص يحوّلون عادة إلى وحدة خاصّة تهتمّ بتسهيل أمورهم وأنّ هذه الوحدة لم يتمّ انشاؤها من أجل اللبنانيين فهي تعنى بجذب الأعمال ولكن اللبنانيين كانوا من أكثر المستفيدين منها العام الماضي وهذا العام.

15 ألف لبناني يملكون بيوتاً في قبرص

ترافق ارتفاع عدد تأشيرات سفر اللبنانيين إلى قبرص مؤخراً مع ارتفاع نسبة تملّك اللبنانيين شققاً في هذه الجزيرة القريبة من لبنان، وفي هذا الإطار يشير جورج شهوان رئيس مجلس إدارة شركة “بلاس هولدينغ” في قبرص المالكة للعديد من الشركات المتخصّصة في مجال العقارات إلى أنّ قبرص لطالما كانت وجهة للبنانيين ولاسيّما لجهة شراء الشقق إذ يوجد هناك حوالي 15 ألف لبناني يملكون بيوتاً في هذه الجزيرة. إلّا أنّ الإقبال اللبنانيين على شراء الشقق خارج لبنان ولاسيّما في قبرص ارتفع بشكل غير مسبوق مؤخّراً ولاسيّما أنّ المغتربين الذين كانوا يودعون أموالهم في مصارف لبنان لم تعد لديهم ثقة في هذه المصارف وفي الوقت نفسه يفضّلون عدم وضعها في مصارف خارج لبنان، فقاموا بشراء الشقق في أوروبا ولاسيّما في قبرص القريبة من لبنان حتى يكون عندهم منزل للجوء إليه في حال حصول أي مشكلة أو ببساطة للحصول على الخدمات الأساسية من كهرباء ومحروقات ودواء.

ويشير شهوان، وهو أيضاً رئيس مجلس الأعمال اللبناني – القبرصي،  إلى أنّ شركته وحدها باعت خلال الأشهر الستة الأخيرة  160 شقة للبنانيين، مضيفاً أنّ سماع اللهجة اللبنانية في شوارع لارنكا بات شبه طبيعي ولاسيّما أنّ شركات لبنانية انتقلت أو فتحت فروعاً لها في قبرص كطريقة للاستمرار في ظلّ غياب كلّ مقوّمات الاستمرار في لبنان مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ قبرص لطالما كانت ملجأ للاستثمار من قبل اللبنانيين.

ويعتبر شهوان أنّ هناك عاملاً أساسياً إضافياً ساهم في توجّه اللبنانيين إلى قبرص وهو أنّه يكفي أن تشتري منزلاً بـ 150 ألف يورو لتأخذ إقامة مدى الحياة أو أن تستأجر منزلاً وتأخذ إقامة سنوية صالحة طالما عقد الإيجار صالح، بينما اليونان تضع سقفاً أعلى لسعر الشقة وهو 250 ألف يورو وإسبانيا 500 ألف.

ويكرّر عدد من العاملين في مجال العقارات في قبرص الذين تواصلنا معهم أنّ شراء الشقق من قبل اللبنانيين في قبرص بدأ منذ سنوات وراج في العام 2014  وكان كخطة بديلة plan b، إلّا أنّ ما حصل بعد العام 2019 هو تغيّر نوع الشقق المطلوبة إذ كان الطلب أكثر في السابق على الشقق الفاخرة القريبة من أماكن السهر واللهو والشاطئ ليصبح الطلب بداية من العام 2019 على شقق عملية أكثر وقريبة من المدارس والمجمّعات التجارية، فالشقة التي يبحث عنها اللبناني باتت شقّة للسكن الدائم وليس للسياحة.

تركيا مقصد أيضاً.. هنا لا تنقطع الكهرباء

بحثاً عن الخدمات أيضاً، توجّه عدد من اللبنانيين إلى تركيا، البلد القريب الذي لا يحتاجون فيه إلى تأشيرة سفر لدخوله، فيمكنهم استئجار منزل لعام واحد كي يضمن لهم الحصول على إقامة قانونية طوال هذه المدّة.

من الصعب الحصول على أرقام دقيقة عن عدد اللبنانيين الذين توجّهوا إلى تركيا بهدف الاستقرار هناك مؤخراً، إلّا أنّ عدداً كبيراً من مكاتب السفر التي تواصلنا معها أكّدت أنّ الطلب تزايد على حجوزات السفر إلى تركيا منذ العام 2019 وتحديداً بعد انتفاضة 17 تشرين، ومن ثمّ تراجع بسبب إجراءات كورونا خلال العام 2020، ليعود ويرتفع بعد انفجار الرابع من آب ويبلغ ذروته مع بداية العام 2021 وتأزّم الأوضاع في لبنان وما نتج عنها من عدم توافر الخدمات الأساسية ولاسيّما الكهرباء والبنزين والدواء.

وفي هذا الإطار، يتحدّت مصدر في “نخّال غروب” عن إقبال متزايد على السفر إلى تركيا، مشيراً إلى أنّ الطلب ازداد على شراء البيوت في هذا البلد أيضاً بعد الإجراءات التي فرضتها المصارف على السحوبات نهاية العام 2019 وبداية العام 2020، إذ عمد اللبنانيون حينها ومخافة ضياع أموالهم إلى شراء منازل عبر “شيكات مصرفية”.

ويضيف المصدر في حديث مع “المفكرة” أنّه منذ شهر آب الماضي زادت الطلبات على استئجار أو شراء المنازل ولاسيما في مدينة اسطنبول، كما زادت الطلبات لتوفير مساكن والسؤال عن مدارس من قبل شركات عالمية كان لها فروع في لبنان، إذ كان واضحاً أنّ عدداً من هذه الشركات تعمل على نقل موظفيها إلى تركيا بعدما باتوا غير قادرين على العمل في لبنان لا بالمكاتب ولا عن بعد بسبب أزمة الكهرباء والبنزين.

نادر (30 عاماً، يعمل في مجال المبيعات) هو واحد من الأشخاص الذي قرّروا الانتقال إلى تركيا والاستقرار هناك بحثا عن الخدمات والأمان والعمل في حال توفّر.

أحوال نادر المعيشيّة وكمعظم اللبنانيين بدأت تتّجه نحو الأسوأ نهاية العام 2019 ولاسيّما بعدما أخذت الليرة اللبنانية تخسر قيمتها، ولكن حتى العام 2020  كان نادر لا يزال يحظى بعمل يؤمّن له راتباً يضمن له حياة كريمة ولو بالحد الأدنى، إلّا أنّ انفجار الرابع من آب وما حصل بعده من تسارع وتيرة الانهيار الاقتصادي أفقده عمله، فقرّر وزوجته أن يخاطرا بكلّ ما ادّخراه من مال، ويتّجها إلى تركيا من دون أي خطة واضحة. “أي شيء سيكون أفضل من البقاء في لبنان، فما الذي قد يكون أسوأ من العيش في هذا البلد؟” يسأل نادر مضيفا في حديث مع “المفكرة”: “أبسط الأمور غير متوافرة في لبنان، الكهرباء البنزين الدواء، وفوقها الشعور بموت يلاحقنا دائماً، أنا كنت أعمل على المرفأ، تركت العمل قبل الانفجار بـشهر واحد، تصوّري كدت أكون في عداد الضحايا فقط لأنّني في مكان عملي، وأكثر من ذلك كدت أفقد زوجتي التي كانت في منزلها القريب من المرفأ لحظة الانفجار ونجت، ألا تستحق حياتي وزوجتي المجازفة؟”

استأجر نادر منزلاً فور وصوله إلى اسطنبول، وحصل على إقامة لمدة عام، وبدأ يبحث عن عمل هو وزوجته ولم يطل الأمر حتى وجد عملاً براتب مقبول، أقلّه يكفي لتأمين الاحتياجات الأساسية.

يعيش نادر وزوجته اليوم في تركيا ويشعران برضا غير مسبوق وبأمان تحوّل الحصول عليه إلى هاجس في لبنان، ولا يفكران أبداً في العودة، “من سابع المستحيلات” هكذا يجيب نادر عندما أسأله إن كان يفكّر في العودة إلى لبنان مضيفاً “أعيش هنا بكرامتي بأمان لدي كهرباء ودواء ولا أريد أكثر من ذلك الحمد الله”.

تركيا التي وصلها نادر، قد تكون وجهة سليم (44 عاماً، ناشط بيئي) قريباً، إذ يسعى إلى بيع أرض ورثها عن أبيه في قريته من أجل الحصول على مبلغ يكفي للاستقرار ربما في اسطنبول الوجهة التي يسعى إلى السفر إليها. “سنحاول إيجاد فرصة عمل هناك، المهم أن نستقر في بلد آخر يتيح العيش فيه الوصول إلى الخدمات من كهرباء وطبابة، فابني الوحيد البالغ من العمر 7 سنوات يعاني من مشاكل صحية وبحاجة إلى أدوية بشكل دوري” يقول سليم لـ “المفكرة”. ويضيف: “لم يعد الدافع وراء ترك لبنان والاستقرار في أي مكان تحصيل العلم ولا المال، نبحث عن بلد فيه حد أدنى من مقوّمات الحياة كهرباء ودواء وقانون يحميك، بلد لا يأكل فيه القوي حق الضعيف”.

لطالما كان خيار السفر مطروحاً بالنسبة لسليم ولكنّ الإحباط اليومي دفعه إلى اتخاذ القرار النهائي، الإحباط الذي لا يعود فقط إلى صعوبة تأمين الأساسيات بل إلى ما يسميه “أزمة أخلاق” بات اللبناني يلمسها يومياً في تفاصيل حياته حيث أصبح الحكم للأقوى، “لا قانون ولا دولة يحتمي بها من كان مثلي” يقول سليم مضيفاً “باختصار سأسافر من أجل أن أعيش فقط ومن أجل أن يكبر ابني بعيداً من كل الفوضى وعدم الأمان والحرمان من أدنى حقوقه والتي هي حالياً الدواء”.

نُشر هذا المقال للمرة الأولى على المفكرة القانونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.