تسير المملكة العربية السعودية بخطى متسارعة نحو تجاوز الرقم القياسي في عدد الإعدامات للعام الثاني على التوالي، بعدما نفّذت أكثر من 200 حكم إعدام منذ بداية عام 2025، في مؤشر يثير قلقًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والإنسانية الدولية.
وتقول منظمات حقوقية إن التصعيد السعودي في تنفيذ أحكام الإعدام يأتي في إطار ما تسميه الرياض “الحرب على المخدرات“، التي أطلقتها رسميًا عام 2023، وتوسعت بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة، مع تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية ونقاط التفتيش داخل البلاد.
إعدامات بالجملة في قضايا المخدرات
بحسب إحصاء أجرته وكالة الصحافة الفرنسية، فقد نُفذ 217 حكم إعدام حتى الآن في 2025، منها 144 حالة مرتبطة بتهم تتعلق بتهريب أو الاتجار بالمخدرات. ويمثل هذا التصعيد استكمالًا لاتجاه بدأ نهاية عام 2022، عندما أنهت السلطات السعودية تعليقًا مؤقتًا لتنفيذ عقوبة الإعدام في قضايا المخدرات استمر ثلاث سنوات.
وشهد عام 2024 تنفيذ 117 حكم إعدام في قضايا مخدرات، بعد تنفيذ حكمين فقط في عام 2023، و19 حكمًا في عام 2022. وتشير هذه الأرقام إلى تصعيد حاد وسريع، يضع المملكة على مسار قد يتجاوز الرقم القياسي البالغ 338 إعدامًا في عام 2023 – وهو الأعلى منذ بدء توثيق الإعدامات في التسعينيات.
أجانب في مرمى المقصلة
وفقًا لمعلومات قدمتها منظمة “ريبريف“ الحقوقية ومقرها لندن، فإن الأجانب يشكلون أكثر من نصف من أُعدموا هذا العام، حيث تم تنفيذ الإعدام بحق 121 شخصًا غير سعودي حتى الآن، معظمهم في قضايا تتعلق بالمخدرات.
وتقول جيد بسيوني، من “ريبريف“، إن هؤلاء الأفراد يواجهون مخاطر إضافية في النظام القضائي السعودي، بما في ذلك غياب الترجمة القانونية المناسبة، والحرمان من المحاكمة العادلة، والضغوط النفسية داخل مراكز الاحتجاز.
وأضافت: “غالبية هؤلاء الأجانب ينتمون إلى فئات فقيرة وعمال مهاجرين لا يتمتعون بفرص متكافئة للدفاع عن أنفسهم أمام القضاء“.
الإرهاب في المعادلة
إلى جانب قضايا المخدرات، تستمر السلطات في تنفيذ أحكام الإعدام بحق سعوديين متهمين في قضايا تتعلق بالإرهاب. وخلال الأسبوع الأخير فقط، تم إعدام ثلاثة مواطنين سعوديين بهذه التهم، ليرتفع عدد المواطنين الذين تم إعدامهم منذ بداية العام إلى 96 شخصًا.
وتقول السلطات إن هذه الإجراءات تهدف إلى الحفاظ على الأمن القومي والنظام العام، في ظل تحديات إقليمية متزايدة تتعلق بالإرهاب والتطرف.
فعالية مشكوك فيها
على الرغم من التصعيد في استخدام الإعدام، يشكك خبراء في فعالية هذه العقوبة كرادع للجريمة، خصوصًا في قضايا المخدرات.
وتقول كارولين روز، المحللة في معهد “نيو لاينز“ في واشنطن: “الحكومة السعودية ترى في التصعيد رسالة ردع قوية، لكن لا توجد بيانات موثوقة تُثبت أن الإعدام يقلل فعليًا من نسب تهريب أو تعاطي المخدرات.“
وتتحدث الحكومة السعودية عن “نجاحات ملموسة“، حيث صرّح مدير الأمن العام الفريق محمد البسامي أن الحملة “وجّهت ضربات قاسية لمهربي المخدرات“، في حين تستمر يوميًا بيانات الاعتقال والمصادرة التي تصدر عن وزارة الداخلية.
تناقض مع صورة الانفتاح
في موازاة هذه التطورات، تسعى المملكة جاهدة لتقديم صورة جديدة عن نفسها للعالم عبر رؤية 2030، التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والرامية إلى تنويع الاقتصاد وتحديث المجتمع والانفتاح على السياحة والاستثمار والترفيه.
غير أن استمرار اعتماد السعودية على عقوبة الإعدام، لا سيما في قضايا غير عنفية مثل المخدرات، يقوّض هذه الصورة الإصلاحية، بحسب منظمة العفو الدولية، التي وصفت ما يحدث بأنه “اتجاه مقلق“.
وقالت كريستين بيكرلي، نائبة مديرة المنظمة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إن ما يحدث يمثل “خرقًا خطيرًا لحقوق الإنسان، ويجب أن يتوقف فورًا“.
سياق سياسي حساس
الإعدامات تتزامن أيضًا مع محاولات سعودية لإعادة تعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي عالميًا، خصوصًا في ضوء استضافتها المتوقعة لكأس العالم 2034، ومشاركتها المتزايدة في محافل دولية.
لكن سجلها الحقوقي، خاصة في ملف الإعدامات، يُعد عائقًا رئيسيًا أمام محاولاتها لتحسين صورتها في الغرب. وتبقى حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018، في قنصلية المملكة بإسطنبول، حاضرة كظل ثقيل على أي تحرّك سعودي نحو الانفتاح.
