فاجعة السلط: هل تكون بداية لنهج مساءلة فعّال في الأردن؟

18 مارس 2021

Inner Report Image

عمر العجلوني
باحث قانوني لدى المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان

ما يزال الأردنيون يعيشون تحت وقع صدمة حادثة مستشفى السلط، والتي أودت بحياة 9 أردنيين، بينهم 7 بسبب نفاد الأكسجين يوم السبت الماضي 13 مارس/آذار، وسط حالة قلق من أن تمر هذه الحادثة كسابقاتها دون محاسبة فاعلة، كحادثة البحر الميت والصوامع وغيرهما.

دفع هذا القلق الناس إلى الخروج للتظاهر في عدة مناطق للمطالبة بمحاسبة المتسببين في هذه الكارثة الإنسانية المؤلمة ووضع حد للإهمال والترهل الإداري الذي تشهدة العديد من مؤسسات القطاع العام، ومنها القطاع الصحي. وشكل تصريح رئيس لجنة الصحة النيابية الدكتور "ياسين الحسبان" - وهو وزير صحة أسبق- قبل أيام دليلاً واضحاً على وجود فساد متجذر، إذ أشار إلى اكتشافه -عندما كان وزيراً للصحة في عام 2011- وجود 612 موظفاً يعملون في حقل التمريض، ويحملون شهادات جامعية في تخصصات الجغرافيا والشريعة والفنون الجميلة، وجميعهم عاملون في وزارة الصحة، وتم تعيينهم عن طريق "الواسطة".

لذلك، فإن مطالب المواطنين بالمحاسبة الحقيقية هي مطالب محقة وينبغي أن تذلل أمامها كل الصعوبات وأن تكون هذه الحادثة المؤسفة بداية جدية في مجال محاسبة المسؤولين المقصرين. وحتى تحقق هذه المحاسبة أهدافها فلا بد لها أن تتفق مع المبادئ القانونية المرعية، وأن يكون هدفها هو تحديد المتسببين بهذه المأساة الإنسانية وإيقاع العقوبات المناسبة بحقهم، بعيداً عن شراء الوقت وانتظار خفوت الأصوات المطالبة بالمحاسبة أوالتشفي بالمتهمين واغتيال شخصياتهم، فإن جوهر عملية المحاسبة المنشودة هي زيادة الثقة العامة بعملية المساءلة لا اتخاذها كوسيلة لتصفية الحسابات أو لامتصاص غضب الناس.

إن ترهل المنظومة الصحية والخلل العام فيها هو ما أدى إلى مثل هذه النتيجة الكارثية، وبالتالي فإن المسؤولية تبدأ من الوزير وتنتهي عند الموظفين المسؤولين عن ظروف تلك الحادثة، فالمسؤولية السياسية تتمثل بكون الوزير مسؤولاً عن أعمال وزارته بموجب نص المادة 47/1 من الدستور الأردني والتي جاء فيها: " 1. الوزير مسؤول عن إدارة جميع الشؤون المتعلقة بوزارته وعليه أن يعرض على رئيس الوزراء أية مسالة خارجة عن اختصاصه".

 وعلى الرغم من استقالة وزير الصحة على إثر هذه الحادثة، إلا أنّ الاستقالة لا ينبغي أن تحول دون محاسبته، وهو الأمر الذي يؤكد عليه الدستور بنص المادة 57 منه: "يوقف عن العمل الوزير الذي تتهمه النيابة العامة إثر صدور قرار الإحالة عن مجلس النواب ولا تمنع استقالته من إقامة الدعوى عليه أو الاستمرار في محاكمته". ما يؤكد عدم إعفاء وزير الصحة الأسبق من مسؤوليته تجاه أعمال وزارته بالرغم من استقالته.

من جهة أخرى فإن مساءلة الموظفين تبعًا لمسؤوليتهم الهرمية الإدارية من جهة، ومسؤوليتهم الجزائية تبعا لقرار النيابة العامة من جهة أخرى، تقتضي مثولهم أمام الهيئات القضائية المختلفة للحصول على محاكمة عادلة يبنى قرارها اليقيني على أسس مستقلة.

وتعد النيابة العامة هي الجهة التي يناط بها إجراء التحقيق في هذه القضية بموجب نص المادة الثانية من قانون أصول المحكمات الجزائية والتي تنص على: "تختص النيابة العامة بإقامة دعوى الحق العام ومباشرتها ولا تقام من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون".

 ومن المستغرب أن تشكل عدة لجان للتحقيق في ذات القضية بما قد يؤدي إلى تشتيت مسار التحقيق وعرقتله والوصول إلى نتائج متضاربة، حيث شكلت أكثر من لجنة تحقيق بخلاف النيابة العامة، وذلك يضع علامات تساؤل كبيرة حول تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية. 

ومما يضع علامات تساؤل كبيرة حول تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية هو ما نقلته وسائل إعلام مختلفة على لسان رئيس الوزراء أنه "يأمر" رئيس المجلس القضائي المباشرة بالتحقيق وفي تصريح آخر بأن رئيس الوزراء "يطلب" بأن تباشر النيابة العامة التحقيق، والأصل أن النيابة العامة هي من تباشر التحقيق من تلقاء نفسها دون أمر أو طلب وذلك وفق مبدأ استقلال السلطة القضائية الذي رسخته المادة 97 من الدستور:" القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون".

نصت المادة 12 العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على ما يلي: "تشمل التدابير التي يتعين على الدول الأطراف في هذا العهد اتخاذها لتأمين الممارسة الكاملة لهذا الحق، تلك التدابير اللازمة من أجل: تهيئة ظروف من شأنها تأمين الخدمات الطبية والعناية الطبية للجميع في حالة المرض"، وهو ما يدعو للتأكيد على أن المساءلة الحقيقية هي ضامن أساسي لتطوير أداء القطاع العام، وتقديم خدمة صحية لائقة تحافظ على صحة المواطنين وتترجم المبادئ الدولية التي تقتضي اتخاذ التدابير اللازمة لذلك.

على الرغم من الألم الكبير بفقد عدد من الأشخاص، إلا أن الأمر الأكثر إيلاماً أن الحادث نتج عن خطأ إداري كان نتاج فساد وترهل متراكم. إن هذا الحادث الخطير إما أن يكون بداية جديدة لنهج مساءلة ورقابة حقيقية على عمل موظفي القطاع وحل مشكلة الفساد الإداري بشكل جذري وإما أن يكون حلقة أخرى في مسلسل الفساد الذي تتوالى حلقاته في الأردن بلا رقابة فاعلة وآليات واضحة لمحاربته والقضاء عليه.