نحو تعاقد اجتماعي جديد في المغرب

22 مارس 2021

Inner Report Image


بقلم: كمال عبد اللطيف 

يمتلئ المشهد المغربي بظواهر كثيرة تشير إلى تراجع القيم الديمقراطية وسيادة خطابات وممارسات لا علاقة لها بالمكاسب والمنجزات التي تحققت بعد الحراك الاجتماعي الذي حصل سنة 2011، ولا بالآفاق السياسية التي انخرط فيها المغرب في حكومة التناوب، قبل أزيد من عقدين بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، فكيف يستعيد المواطن المغربي اليوم ثقته في سياسات الدولة ومؤسساتها، حيث لم تتمكّن الأغلبية التي تدير السياسات العامة من وقف التسلط والفساد والريع، ولم تستطع المعارضة بناء البدائل القادرة على كسر صور الانكفاءات الحاصلة في المجال العام.

لم تتمكّن الأحزاب التي تشارك في الأغلبية الحاكمة، خلال الولايتين السابقتين، بقيادة حزب العدالة والتنمية، المحافظ، من محاصرة تيارات المصالح الانتهازية والبراغماتية، وقد أصبحت اليوم مرادفاً وحيداً للسياسة والفعل السياسي. ولم يعرف المشهد الحزبي ما ينبئ بإمكانية بناء قطب سياسي، قادر على مواجهة مواقف العزوف السياسي السائدة وتحريك آليات العمل السياسي الديمقراطي. وأمام الارتباك السائد ورسائل الاستقالة وتجميد العضوية، ونقد المواقف التي انخرط فيها "العدالة والتنمية" لخيارات ومواقف مناقضة لبعض مبادئ الحزب وشعاراته، وانعكست على أدائه الحزبي والحكومي، نجد أن الأحزاب الأخرى، بما فيها أحزاب الحركة الوطنية، لم تطوّر أساليبها في التعبئة وفي الحضور السياسي، المرتبط بتطلعات المواطنين وطموحاتهم، من دون أن نتحدّث عن عدم قدرتها على مواجهة التحديات المطروحة أمامها.

لم يعرف المشهد الحزبي ما ينبئ بإمكانية بناء قطب سياسي، قادر على مواجهة مواقف العزوف السياسي السائدة وتحريك آليات العمل السياسي الديمقراطي

 

ساهمت جائحة كورونا في مضاعفة إشكالات المجتمع المغربي في مجال العمل والإنتاج، وتركت آثارها في مختلف أوجُه الحياة السياسية والاجتماعية، فازدادت الأوضاع العامة سوءاً. حصل إجماعٌ قبل تفشِّي الوباء على فشل النموذج التنموي المغربي، وبدأ التفكير في بناء مقدّمات كبرى لمشروع تنموي جديد، وتشكَّلت لجنة خاصة لتركيب هذا المشروع بمشاركة كل مكوِّنات المشهد السياسي المغربي. ويكشف الجدل السياسي الدائر في هذا المشهد، بمناسبة اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، المرتقب حصولها شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2021، أن النخب السياسية ما تزال غريبةً عن الآفاق التي تطلَّع إليها شباب "20 فبراير" في العام 2011، وعبرت عنها شعاراتهم الرامية إلى تعزيز قيم الحرية والمواطنة، واقتلاع صور التسلط المُحاصِرة لخيارات التحديث والتقدّم.

إذا كنا نتصوَّر أن روح العمل السياسي لا تؤسسه القوانين الانتخابية، المرتبطة بمجموع الإجراءات التي يجري التوافق بشأنها بين مختلف الأحزاب، من أجل تسهيل عمليات ضبط الكتلة الناخبة وتأطيرها، فإننا نفترض أن اقتراب الدورة الانتخابية الجديدة يُشكِّل بالنسبة للأغلبية التي تُدَبِّر السياسات العامة، الإطار المناسب لإبراز ما حققته من مكاسب، وهي تمارس عمليات تنفيذ برنامجها الانتخابي. ومقابل ذلك، تتجه أحزاب المعارضة لكشف صور الخلل في التدبير ومظاهره، ورسم الملامح الكبرى لصور ترتيبها للبديل القادر على سَدّ الثغرات وتدارك المشاريع التي لم تستطع الأغلبية الحالية إنجازها.

مع اقتراب الانتخابات تتجه الأحزاب المشاركة في الحكم إلى تعظيم إنجازاتها، بينما تتجه أحزاب المعارضة لكشف صور الخلل

حَدَّدَت محاور النقاش الحاد المرتبطة بالقوانين الانتخابية وحساباتها ما يمكن اعتباره بمثابة سقفٍ لا علاقة له بالمشروع الديمقراطي، وبتوسيع قيم المشاركة والتشارك والتداول داخل الحياة السياسية. واتجه النقاش إلى التفكير فقط في الوسائل التي تُمَكِّن الحزب الأغلبي المحافظ، العدالة والتنمية، الذي قاد الأغلبية الحكومية سنة 2011 ويقودها اليوم، ويفكّر في مواصلة القيام بالدور نفسه، معتقداً أنه سيكون الفائز المنتظر باستحقاقات 2021، على الرغم من الاستقالات والانقسامات التي تتفاعل بكثير من العنف الرمزي داخله وبين قيادييه وقواعده.

ووسط أجواء الارتباك الذي يملأ المشهد الحزبي المغربي، والنقاش الذي يتمحور حول وقف التغوُّل المحافظ، أصدرت سبع مؤسسات مدنية مغربية نداء تدعو فيه إلى حوار وطني، من أجل بناء مغرب جديد. تحمل المؤسسات أسماء وازنة في تاريخنا السياسي، علال الفاسي، عبد الرحيم بوعبيد، محمد بن حسن الوزاني، علي يعته، وبنسعيد آيت يَدَّر وأبو بكر القادري ومحمد عابد الجابري. وهي مؤسساتٌ يرتبط بعضها ببعض الأحزاب، إلا أن حضورها في النداء الموجه إلى الفاعلين داخل المشهد السياسي اتخذ طابع رسالةٍ قويةٍ في نقد جوانب من التراجع السياسي القائم. كُتب النداء بكثير من الإيجاز البليغ، وجاء في صورة صيحةٍ مدوِّية، لمواجهة كثير من أوجُه البلاهة التي تملأ فضاءات السمع والبصر في المشهد السياسي، وبعض المؤسسات الدستورية، إضافة إلى ضوضاء الوسائط الاجتماعية التي صنعت بدورها عوالمها ولغاتها، ولم تعد تتردّد في إسماع صوتها في قضايا الشأن العام، متخلِّيةً عن قيم العمل السياسي التاريخي والمؤسسي، متجهة نحو تعزيز ما يرسخ قيم البلاهة والضجيج.

أصدرت سبع مؤسسات مدنية مغربية نداء تدعو فيه إلى حوار وطني، من أجل بناء مغرب جديد

تكشف بلاغة الإيجاز في النداء أن الموقعين يرون في النقاشات والصراعات، الجارية قبل استحقاقات 2021، أدخلت المشهد السياسي، بكل ألوانه، في صراع المقاعد والمصالح، الرواتب والتعويضات، وهو صراعٌ لا يليق بالعمل السياسي الهادف إلى تعزيز قيم التحديث السياسي، الداعمة لأخلاق المواطنة والمشاركة والتداول. ويبدو أن الخلل العميق الذي أصاب اليوم المشهد السياسي المغربي لا تُعيره الأحزاب السائدة، أغلبية ومعارضة، أدنى أهمية، الأمر الذي حَوَّل قبة البرلمان ومنصّات التواصل الاجتماعي فضاءً لكشف تصوُّر بعض الأحزاب للعمل السياسي اليوم، وكشفها أيضاً، لكيفيات تعاملها مع القضايا الكبرى في مجتمعنا. وضمن هذا الإطار، شَكَّل النداء مناسبةً للاحتجاج غير المباشر على تراجع العمل السياسي في المغرب.

يتجه النداء إلى المطالبة بتجاوُز الارتباك القائم في المشهد السياسي المغربي، ويحثّ النخب على ضرورة الاهتمام بالقضايا السياسية الكبرى، وهو ينطلق من المساعي الجارية لبناء المقدّمات الكبرى للنموذج التنموي المرتقب في البلاد، من أجل توسيع الحوار وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. ولا يحصل ذلك في تصوُّر المؤسسات الرافعة للنداء إلا بالتأسيس لتعاقد اجتماعي جديد، والعمل على بلورة وطنية جديدة ومتجدِّدة، لعله يتم الانتصار على مختلف التحدّيات التي يواجهها المجتمع المغربي.