جحيم مراكز الترحيل في إيطاليا: تونسيون عرضة لشتى الانتهاكات

31 مارس 2021

Inner Report Image

سوسن العويني
صحفية تونسية


لم تتقبّل سعاد الكحلاوي (56 سنة) قرار السلط الإيطالية بإعادة ترحيلها إلى تونس، بعد أن عانت الأمرّين في رحلة محفوفة بالمخاطر على أحد "قوارب الموت" من أجل أن تبلغ ضفاف القارة الأوروبية، لتضع حدًا لحياتها إثر احتجازها من قبل السلط الإيطالية بأحد مراكز الترحيل قصد إعادتها لتونس.

"نموت ومانرجعش"، هكذا كانت تردّد سعاد على مسمع المسؤولين بالمركز والمحتجزين معها، ولم يكن أحد يتوقّع أنها كانت تعني ما تقول، لتقدم في غفلة من الجميع على إلقاء نفسها من الطابق الثالث من مركز إيواء، وإنهاء حياتها. 

لم تحتمل المهاجرة غير النظامية فكرة إعادة ترحيلها إلى بلد هربت منه بعد أن ضاقت بها السبل. خيرت في الأخير الموت في بلد آخر طالما لم يسعها العيش فيه.تعاني سعاد من اضطرابات نفسية، لم تشفع لها لدى السلط الإيطالية التي عوض أن تحيلها إلى مستشفى لمتابعة وضعيتها الصحية، نقلتها بمجرد وصولها إلى ضفاف "لمبيدوزا" –إثر انتهاء فترة الحجر الصحي- إلى مركز مغلق للترحيل بـ"أكريجنتو" (مدينة إيطالية تقع على الساحل الجنوبي لصقلية) دون تمكينها من تناول دوائها، رغم حملها وثائق تدلّ عن كونها مريضة نفسيًا، وفق ما أكده عماد السلطاني، رئيس جمعية "الأرض للجميع" التي تُعنى بـشؤون المهاجرين غير النظاميين والدفاع عن حقوقهم.

"حرموها من دوائها فدخلت في حالة هستيرية، ثم تم تبليغها بأنه سيقع ترحيلها قسريًا إلى تونس، فألقت بنفسها من نافذة بالطابق الثالث بمركز الإيواء وتوفيت"، هكذا حدث السلطاني "الترا تونس"، مضيفًا: "قبل أن تكون مهاجرة غير نظامية، هي حالة إنسانية، وكان من العادل أن تعامل معاملة إنسانية ويقع إيواؤها في مصحة للأمراض النفسية".

وحمّل رئيس جمعية "الأرض للجميع" مسؤولية وفاة سعاد للبعثة الدبلوماسية التونسية في إيطاليا -وبالخصوص القنصل والملحق الاجتماعي-، "لأن من واجبها متابعة وضعية المهاجرين غير النظاميين أو على الأقل سماعهم، وفق تقديره.

ويعاني المهاجرون غير النظاميين، وخاصة منهم التونسيون بالتحديد، من انتهاكات ومعاملات وصفها حقوقيون بـ"التمييزية" و"العنصرية"، أمام صمت السلط التونسية التي أعطت الضوء الأخضر للسلط الإيطالية للقيام بممارسات منتهكة لحقوق الإنسان وللمواثيق الدولية على مرأى من الجميع.

يقول السلطاني: "المهاجر غير النظامي الحامل للجنسية التونسية يعامل بكل أشكال العنصرية. ليس هناك أيّ أدنى احترام للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، إذ يقع احتجاز النساء والأطفال والقصّر في مراكز الترحيل، دون توفير أي متابعة صحية، ولا تقديم أكل صالح لهم رغم وضوح الاتفاقيات الدولية في حظر ذلك". 

ويعتبر الحقوقي المهتم بشؤون المهاجرين غير النظاميين أنه "لو لم تعطِ السلط التونسية الضوء الأخضر لكل هذه الممارسات لَمَا عُومل المهاجر التونسي بالذات بهذه العنصرية"، وأن "السلط الإيطالية تدرك جيدًا أنه ليست هناك حكومة ولا دولة تونسية ستذود عن حقوق مواطنيها"، مشيرًا إلى أن "الانتهاكات تجاه المهاجرين غير النظاميين تصل حد الضرب والتعنيف وحرمانهم من أبسط حقوقهم"، على حد قوله.

وقد سلطت منظمة العفو الدولية، في تقرير نشرته تحت عنوان "نقاط ساخنة في إيطاليا: انتهاك حقوق اللاجئين والمهاجرين"، الضوء على الممارسات اللاإنسانية التي يتعرض إليها المهاجرون غير النظاميين منذ لحظة رسوّهم إلى يابسة سواحل إيطاليا، مؤكدة أن "الأبحاث التي قامت بها كسفت أن بعض الحالات في إيطاليا اتسمت بانتهاك حقوق اللاجئين، وتضليلهم، وطردهم أكثر منها بتحديد هويات القادمين الجدد وإخضاعهم لعمليات تدقيق وتمحيص".

وأكدت المنظمة أن "الشرطة الإيطالية لجأت إلى أساليب إكراه من أجل الحصول على بصمات الأصابع، بما في ذلك مزاعم بتعرض بعض اللاجئين للضرب، والصعق الكهربائي، والإذلال الجنسي"، مشيرة إلى أن "أشخاصًا بمجرد مغادرتهم للقوارب التي جاؤوا فيها، خضعوا لعمليات تدقيق متسرعة ولا يزالون يعانون من صدمات نفسية دون إعطائهم أي نصائح أو معلومات مناسبة، توشك أن تحرمهم من قدرتهم على تقديم طلبات لجوء وتوفير الحماية التي يحق لهم قانوناً الحصول عليها".

كما لفتت منظمة العفو الدولية إلى أن أوروبا تصرّ على طرد المزيد من الأشخاص "حتى لو كان ذلك يتضمن إبرام اتفاقات مع حكومات معروف عنها أنها تنتهك حقوق الإنسان"، حسب ما جاء في التقرير.

ولم تشفع للقصّر أعمارهم التي تمنع إعادة ترحيلهم حسب ما ينصّ عليه القانون الإيطالي، إذ يقع احتجازهم في مراكز الترحيل مع غيرهم من المحتجزين من مختلف الأعمار، وفق ما أكده النائب بالبرلمان عن دائرة إيطاليا مجدي الكرباعي.

وأكد النائب، في تدوينة نشرها على صفحته الخاصة بموقع التواصل "فيسبوك" بتاريخ 21 مارس/آذار 2021، أن أحد القصّر المحتجزين، وهو من مواليد 2003، "في صحة حرجة" بسبب إصابته بفيروس كورونا ولا يمكن له الاتصال بأهله بعد أن وقع حجز هاتفه، مشيرًا إلى أنه يقبع في مركز الحجز والترحيل "بالاتسو سان جرفازيو" بمدينة "بوتنسا" الإيطالية، في ظل غياب تام للرعاية الصحية".

وأوضح الكرباعي، في تصريح للإذاعة الوطنية بتاريخ 22 مارس/آذار 2021، أن القاصر التونسي صدر تحليله إيجابيًا للأسبوع الثالث على التوالي، ورغم ذلك هو لا يتلقى أي معاملة صحية تراعي وضعه"، واصفًا مراكز الاحتجاز بأنها "شبيهة بالسجون"، على حد تعبيره.

ودعا عضو البرلمان، في ذات الإطار، السلط التونسية المتواجدة على التراب الإيطالي من تمثيلات دبلوماسية وقنصليات وملحقين اجتماعيين، باعتبار أن من دورهم حماية حقوق القصّر، إلى التدخل. 

واعتبر أن "الدولة التونسية كعادتها تعتبر الهجرة غير نظامية مسألة ثانوية ولا تتدخل فيها"، حسب تقديره، مشيرًا إلى أنه "لا وجود لأيّ رقابة على عمليات الانتهاك التي تحدث في صفوف التونسيين المحتجزين في مراكز الترحيل".

وتابع القول: ليس معقولًا أن تكون لدينا وزارة تحت اسم "وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج" وهي ليست لديها أي آليات أو أدوات تعتمدها في هذا الميدان"، على حد قوله، مشددًا على أن "هناك تعاملًا فضًا وأحيانًا يكون عنيفًا مع المهاجرين التونسيين بشكل خاص".

وصم المهاجر التونسي بـ"الانحراف" و"الإرهاب"

وعن أسباب التعامل التمييزي مع المهاجر غير النظامي التونسي بالذات، قال الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رمضان بن عمر، في حديث لـ"الترا تونس"، إن تونس موقعة على اتفاقات مع إيطاليا تسمح بعملية الاحتجاز الترحيل وتشرعنها وتعطيها غطاءً قانونيًا.

"كما أن في السنوات الأخيرة أصبحت هناك عملية وصم للمهاجرين غير النظاميين التونسيين باعتبارهم إما "منحرفين فارين من العدالة" و"عنيفين" أو "إرهابيين"، خاصة بعد تصريحات رئيس الحكومة هشام المشيشي التي ربط فيها المهاجرين غير النظاميين بالإرهاب"، وفق بن عمر الذي أعتبر أن ذلك جعل من المهاجر التونسي بالذات عرضة للانتهاكات.

وتابع الناشط الحقوقي القول إن من تداعيات المعاملات التمييزية بين المهاجر الحاملين للجنسية التونسية والمهاجرين من جنسيات أخرى داخل مراكز الاحتجاز والترحيل، دفع المهاجرين التونسيين إلى إبداء ردود أفعال عنيفة على غرار الدخول في إضرابات جوع، أذيّة أنفسهم، التهديد بالانتحار، محاولة الهروب من مراكز الاحتجاز... مشيرًا إلى أن ردود الأفعال العنيفة تزيد من وصم المهاجر التونسي، حسب تقديره.

وأكد المتحدث باسم منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أنه منذ لحظة وصول المهاجرين إلى التراب الإيطالي، لا يقع إرشادهم باللغة التي يفهمونها حول حقوقهم، وأهمها حقهم في تقديم طلب لجوء وفي رعاية صحية مناسبة، لافتًا إلى أنه بمجرد تحديد هوياتهم يقع نقلهم إلى مراكز للحجر الصحي، ثم بعدها إلى مراكز الاحتجاز والترحيل.

مراكز ترحيل أم سجون؟

وبمجرد أن يقع إيواء المهاجرين غير النظاميين في مراكز الترحيل، يقع منع اتصالهم بالمنظمات أو طلب أي مساعدة حقوقية، وفق تأكيد رمضان بن عمر الذي شبّه مراكز الترحيل بالسجون أو أسوأ.

ولفت، في ذات الصدد، إلى أن "ظروف الإقامة في المراكز سيئة للغاية، ونوعية الأكل رديئة إذ يقع إعداده بمواد منتهية الصلاحية في بعض الأحيان، أو بمواد تسبب للمهاجرين حالة من الارتخاء لتسهيل السيطرة الجسدية عليهم، حسب شهادات عدد من المهاجرين".

كما تطرق بن عمر إلى مسألة تعاطي القضاء الإيطالي مع ملف المهاجرين غير النظاميين، مشيرًا إلى أن قرار الترحيل يصدر دون احترام التراتيب القضائية، إذ لا يقع تمكين المهاجرين من مساعدة قضائية، ولا من الطعن في قرار الترحيل، مؤكدًا أن ذلك يحدث بموافقة السلط التونسية.

ويرى الناطق باسم المنتدى أنه طالما هناك تعاون تونسي مع السلط الإيطالية في مسألة إعادة ترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى تونس، فإن إيطاليا ستواصل المضي في منحى لا رجعة منه لإيجاد آليات لترحيل حتى الفئات الأكثر هشاشة كالقصر والمرضى والعائلات التي تضمّ أطفالًا..."، حسب رأيه.

ورغم المعطيات والشهادات التي تكشف الانتهاكات والصعوبات التي يتعرض إليها المحتجزون بمراكز الاحتجاز وعزم السلط الإيطالية الجازم بإعادة ترحيلهم، فإن موجة الهجرة النظامية في اتجاه السواحل الإيطالية لم تتوقف، بل بالعكس تسجل ارتفاعًا مطردًا، فقد بلغ عدد المهاجرين غير النظاميين الواصلين إلى إيطاليا انطلاقًا من السواحل التونسية خلال شهريْ جانفي/يناير وفيفري/شباط 2021، 722 مهاجرًا، في حين لم يتجاوز عددهم 94 مهاجرًا في نفس الفترة من 2020، وفق تقرير لمنتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية نشره في 15 مارس/آذار الجاري.

 وأرجع المنتدى هذا الارتفاع، رغم الظروف المناخیة غیر الملائمة خلال ھذه الفترة، إلى "ارتفاع منسوب الإحباط لدى الفئات المشاركة في عملیات الھجرة غیر النظامیة خاصة بعد ارتفاع الاحتجاجات الاجتماعیة خلال شھر جانفي/يناير 2021 التي واجھتھا الحكومة بالقمع الأمني ومئات الإیقافات لدى الشباب وحملات من الشیطنة والوصم التي تعرض لھا المحتجون وھو ما عمق العوامل الدافعة وأرسى مناخًا من عدم الثقة في إمكانیة تحسن الظروف الاقتصادیة والاجتماعیة والتي عمقتھا الأزمة السیاسیة".

وأضاف، في ذات التقرير، أن "ما میز شھر فیفري/شباط 2021 ھو عودة الھجرة العائلیة بعد ان غابت خلال شھر جانفي/يناير، إذ وصلت أكثر من 15 عائلة حسب تقدیرات أولیة وشھادات لمنظمات محلیة بجزیرة لمبیدوزا، مشيرًا إلى أن عدید العوامل الاقتصادیة والاجتماعیة والعائلیة والذاتیة تتقاطع وتساھم في بناء مشروع الھجرة لدى فئات عدیدة من العائلات التونسیة خاصة الشابة منھا (عائلات بأطفال قصّر) بما قد یجعلھا تشھد نسقًا تصاعدیًا خلال المرحلة القادمة، وفق ما جاء في التقرير.


عبر تونس Ultra