فلسطين.. انتخابات بدون سيادة قانون

01 ابريل 2021

Inner Report Image

محمد الخضر
باحث حقوقي فلسطيني


بصورة مربكة، يتخللها الكثير من الغموض، أعلن الرئيس محمود عباس عن مرسوم إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني بالتتابع. حالة متناقضة، وتشكيك مصحوب بالإيجابية. هناك من سخر على التتابع بالقول، إنّ الرئيس ذاته يتشكك في توجهات الشعب، لهذا يخاطر بالأقل وهو التشريعي، ويحتفظ بالأهم وهي الرئاسة، ولا يتنازل عن الأكثر أهمية، المنظمة التي لا ينازعه عليها أو فيها أحد.

ستجري الانتخابات في الضفة وغزة والقدس كما هو معلن، لكن القدس ما تزال آلية مشاركتها غير واضحة، هل ستسمح إسرائيل بإجراء الانتخابات فيها؟ ما يزال المشهد غير مكتمل. رغم تأجيل الانتخابات سنوات طويلة بسبب القدس والانقسام، لكن، كما هو حال عملية الانتخابات، بالرغم من عدم وجود تغير في المشهد، ما تزال القدس تشكل معضلة.

ترافقت عملية الانتخابات مع العديد من ترتيبات وإجراءات منتصف الليل، بدأت هذه الترتيبات بإنشاء المحكمة الدستورية، من جهة تطبق هذه المحكمة الدستور عندما يكون ذلك في مصلحة دائرة الرئيس، وتلقي به في الشارع عندما يكون قيدًا على سلطة الدكتاتور.

 ولا بد من توضيحين لمصطلح الدكتاتور، الأول، هذا المصطلح لم يكن في بداياته سلبيا، وإنما كان أحد الحالات القانونية التي يمنحها مجلس الشيوخ للقنصل العام - القائد العسكري في وقت الحرب- في حالات الطوارئ لمدة لا تتجاوز 6 أشهر، لكن يوليوس قيصر أجبر مجلس روما على عقد الجلسة المشهورة التي أراد فيها منحه لقب ديكتاتور مدى الحياة، وقتل يوليوس قيصر في ذات الجلسة بسبب خوف أعضاء المجلس من تحول أرفع المناصب في روما، من منصب القنصل العام بالانتخاب إلى الإمبراطور بالوراثة، وهو ما حصل فعلا بعد موت يوليوس قيصر. أما التفسير الثاني، أنّ الدكتاتور، استثنائيا، كان يتشارك مع مجلس الشيوخ في صلاحية التشريع.

هل ستختفي القدس عن مشهد عقبات الانتخابات؟ هذا ما ننتظر لنراه. وهل ستختفي فجأة باقي العقبات، وأهمها طبعا الانقسام؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة. لكن ما هو مؤكد أن ما سيستمر هو احتكار الرئيس كدكتاتور للمشهد.

 وبالرغم من عدم وجود هذه الحالة ولا هذا اللقب في القانون الدستوري الفلسطيني ولا في نظام منظمة التحرير، إلا أن السيطرة على الموارد المالية، والأجهزة الأمنية، سمحت بهذه الحالة، وهي تتم بدون أي اعتراض من مؤسسات القانون بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني التي تعمل في جمع ما يتبقى من مال، وفي سيادة القانون.

قرر الرئيس إجراء الانتخابات، ورغم أن الباب ما يزال مفتوحا للمفاجآت، داخل فتح أكثر من خارجها، لكن لا يخفى على الكثير الوضع الظاهر المميز للرئيس وحزبه في هذه الانتخابات. تحاول الدساتير في الأنظمة المختلفة منع حالة استفراد من هو قائم على السلطة في تهيئة أجواء انتخابات على مقاسه بصورة لا يشاركه فيها أحد، لكن، ما يحظى به الرئيس الحالي، لم يحظ به أحد.

ليست المسألة بحاجة إلى مختص أو خبير حتى يعلم أن القائمين على السلطة، ومن خلال الانتخابات، سيقومون بخلق سياق يؤدي إلى استمرارهم في السلطة، وفي نفس الوقت ضمان استمرار ملاحقة أو تهديد منافسيهم ومعارضيهم ويشمل ذلك أي مشكك يتساءل عن الأسرار المقدسة التي تطبخ في دائرة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولا يستثنى من هذا طبعا ابن أخت الرئيس السابق ناصر القدوة مؤخرا وحالة المتمرد محمد دحلان سابقا.

فتح خياراتها أصبحت محدودة، لكنها في المقابل تملك أجهزة أمنية بعقيدة حزبية موالية، وأيضا تنظيما مسلحا موازيا للأجهزة الأمنية وله استخداماته، وله حساباته، خاصة في حالات الرغبة للخروج عن القانون وبتغطية (نضالية). وفي حالة مشابهة ومختلفة، تغطي الأجهزة الأمنية خروجها على القانون بالقانون، وهذا الطريق تسهله النيابة العامة والمحاكم التي أصبحت تخضع بصورة شبه كاملة، وخطابها لا يختلف كثيرا عن خطاب الأجهزة، حتى لو كان هذا الخطاب يصدر بصورة قرارات (قضائية) وباسم الشعب، وسيزداد وسيظهر بصورة أكثر جلاء مستقبلا، وخاصة في عملية الانتخابات التي نحن في خضمها، وهذا سيكون أول الثمار بعد الحرب الأخيرة التي قادتها السلطة التنفيذية بمساندة ما يسمى المجتمع المدني على استقلال القضاء وما تبقى من قيم دستورية مشوهة.

حماس هي المستفيد الأكبر من هذه الحالة، ما تزال تعيش حالة نضال نرجسية، تعطيها السمو على فتح وعلى أبناء الشعب. في غزة، تملك حماس مؤسسات القانون التي لن تخضع لسلطة الضفة، كما أنها تملك تنظيما مسلحا قادرا على فرض ما لا يفرضه القانون، كما هو حال فتح في الضفة.

سيادة القانون هي الغائب الأساسي عن مشهد عملية الانتخابات. وما يزال الباب مفتوحا للعديد من المفاجآت، القضاء الذي تم تهجينه لا يزال ينتظر أي إشارة بالانقضاض، بالرغم من كل ذلك، لا تزال الإيجابية تغلف هذه الحالة، لم لا، طالما أن الطريق إلى التغيير ملئ بالمغريات، أقلها طبعا وهم دوام الحال.