المفقودون في لبنان: قانون جديد يبعث الأمل

14 ابريل 2021

Inner Report Image

ضحى شمس، بيروت

احتفى أهالي مفقودي ومخطوفي الحرب الأهلية في لبنان (1975-1990) بإقرار برلمان البلاد مؤخراً قانون “المفقودين والمخفيين قسرا بعد 36 عاماً من النضال. ويرمي القانون الذي يحمل الرقم 105 والذي يتألف من 38 مادة أثارت إحداها نقاشاً وطنياً، إلى الكشف عن مصير 17 ألف شخص فقدوا بعد أن اختطفوا على حواجز الأطراف المتحاربة آنذاك، أو حتى من بيوتهم، بسبب هويتهم الطائفية أو السياسية أو لمجرد صدف الأقدار السيئة على طرقات الحرب الأهلية.

لكن، هل يمهد هذا القانون، الذي كرس حق المعرفة لأول مرة في لبنان، لمجتمع متصالح مع ماضيه البشع، قام بما عليه من اعتراف من أجل استحقاق الصفح وحق المشاركة في بناء الغد؟ وهل يشعر ضحايا الحرب الأهلية، التي يرى كثيرون إنها مستمرة بشكل بارد، بجبر الخواطر لمجرد معرفة مصير أبنائهم؟ هذا إذا طبق القانون بشكل يضطر المتورطين للإدلاء بمعلوماتهم عن مصير ضحاياهم؟ وماذا عن العدالة؟ وهل هي ممكنة في بلاد لا زال يحكمها العديد من مجرمي الحرب وتتجاهل معاناة الضحايا من مواطنيها إن كانوا مهجرين أو مخطوفين أو مفقودين أو معوقين؟

ربما لا يجب أن يكون الجواب متسرعاً. فبرغم أن الكثير من اللبنانيين لا يرون في صدور هذا القانون ما يمكن أن يصلح اعوجاج بناء دولة ما بعد الطائف، أو الجمهورية الثانية كما يقال، كونه بني على أرض التسويات الزلقة والمفخخة، إلا أن الكثير من أهالي المخطوفين، شعروا فعلياً بالارتياح لصدوره، كونه سيتيح لهم معرفة مصير أقاربهم: إن كانوا أحياء أو أموات، وربما أماكن احتجازهم أو دفنهم.

لكن آخرين، حتى من بين الأهالي، ينظرون لهذا الإنجاز بعين الشك في جدواه. فهو لا يضمن الحصول على تلك المعلومات من المرتكبين لسبب بسيط: أنه لا يرهن العفو عن مجرمي الحرب باعترافهم بجرائمهم وإدلائهم بمعلومات عن ضحاياهم، كما تفترضه التجارب المشابهة للبنان، كجنوب أفريقيا والبوسنة مثلًا. أما لماذا؟ فلأن العفو العام وبكل بساطة قد سبق صدوره هذا القانون ب... سبعة وعشرين عاماً!

كان ذلك في 26 آب/أغسطس 1991، حيث أصدر قادة الميليشيات المتحاربة في لبنان، إثر مؤتمر الطائف الذي أفضى لإنهاء الصراع بصيغته المسلحة، عفواً عاماً عن أنفسهم، مستثنين من ذلك العفو الجرائم المرتكبة بحق القادة أمثالهم، ان كانوا سياسيين أو روحيين! نوع لبناني من العدالة الطبقية كرس سيطرة زعماء الطوائف إن كانوا دينيين أو دنيويين، على بقية الشعب اللبناني.

إذاً؟ ما فائدة هذا القانون؟ ما محله من الإعراب؟ ربما تعطي الجملة التي ذكرتها رئيسة “لجنة أهالي المفقودين والمخفيين قسراً” في بيانها المحتفي بالقانون، بعض التفسير.

"بابا في رحلة عمل"

تحولت وداد حلواني، رئيسة لجنة أهالي المفقودين والمخفيين قسراً“، إلى أيقونة وطنية تمثل جرح هؤلاء. هي اليوم أصبحت جدّة، لكنها لم تعد محتارة فيما سترويه لأحفادها عن جدهم المخطوف عدنان. وكما في فيلم « بابا في رحلة عمل » للمخرج أمير كوستاريكا، كانت وداد تكذب على ولديها الصغيرين بقولها بأن أبيهما غائب لأنه مسافر للعمل.”لن أعيد الخطأ الذي ارتكبته مع ولديّ » تقول وداد لنا. وتضيف “اكتشفت فيما بعد إنهما كانا يعرفا بأنني أكذب. لقد صارحنا أحفادي بحقيقة الامر بالرغم من أنهم صغار جداً: قلنا لهم لقد خطف الأشرار جدّو خلال الحرب”. كان عدنان حلواني عضواً في اللجنة المركزية في منظمة العمل الشيوعي حين اختطفته في 24 أيلول 1982 إحدى الجهات في مخابرات الجيش الذي كان منقسماً يومها.

رفعت وداد بعد صدور القانون شعاراً براغماتياً هو “خيارنا الاستراتيجي: المعرفة مقابل الغفران”. لكن لم يحتاج هؤلاء المجرمون الى الغفران طالما إنهم نالوه بقانون العفو منذ زمن بعيد؟ تجيب حلواني "العدالة بالنسبة لنا لا تنحصر بالعقاب. العدالة تتحقق ولو جزئيا بمعرفة ما حصل لمفقودينا. نحن نعتمد مفهوم العدالة التصالحية ».

لكن العدالة التصالحية تقوم أولاً على الاعتراف بالجريمة والإدلاء بالمعلومات، فما الذي يضطر المجرم للاعتراف بمصير ضحاياه طالما أنه حاصل علي العفو مسبقاً؟تشير حلواني إلى مادة في متن القانون الجديد بقولها “لو طبق لبنان فعليا قانون العفو العام، لما كان أمراء الحرب معفيين حتى اليوم. فجريمة الخطف تصنف مستمرة ومتمادية ومستثناة من أحكام هذا القانون، طالما أن مصير المفقود لم يكشف بعد. بمعنى آخر إن اعترف أحدهم مثلا بأنه قتل المخطوف المتهم به، أو سلمه لجهة اخرى، كإسرائيل مثلا، قبل صدور العفو، فعندها يشمله هذا القانون فعلا. أما إن لم يعترف، أو يفضي بمعلوماته، فمعنى ذلك إن جريمته مستمرة يعاقب عليها قانون العقوبات اللبناني"


نقلًا عن OrientXXI