أزمة أوكرانيا تثبت أن أوروبا بوسعها الاهتمام باللاجئين.. فقط حين تريد ذلك!

ميكيلا بولييزي، باحثة في شؤون اللجوء والهجرة لدى المرصد الأورومتوسطي

استيقظت العاصمة الأوكرانية كييف في الساعة الخامسة من صباح يوم 24 فبراير/شباط الجاري على صوت صفارات الإنذار المفزعة، مذكرة أوروبا بأحلك أوقات القرن العشرين. كان المطار الدولي الرئيسي في أوكرانيا هو الهدف الأول للهجوم الروسي على أوكرانيا، إذ دائمًا ما تكون خطوط التنقل الضحية الأولى لحالات الطوارئ، فتتجمع الحشود في محطات الحافلات، وتصطف أعداد لا حصر لها من المركبات في الشوارع، ويدفع القلق بالناس لإرسال أطفالهم وأحبائهم بعيدًا عن الخطر بأسرع ما يمكن، وبذلك يصبح التنقل مقيدٌ أيضًا بسبب ضعف البنى التحتية ونقص المعلومات الواضحة، وحظر التجول، والمخاوف الأمنية، ما يخلق حالة من الذعر تشل حركة الناس وتجبرهم على الاختباء في الملاجئ والمواقع المحصنة ومحطات المترو.

لقد مر بالفعل أكثر من أسبوع منذ أن شنت روسيا “غزوها واسع النطاق” على أوكرانيا مستهدفةً العديد من المدن والقرى في جميع أنحاء البلاد بغارات جوية وصاروخية، وينما علقت الجامعة الوطنية (أكاديمية كييف موهيلا) جميع المحاضرات وبدأ طلاب الجامعات الأوكرانيون في التدرب على استخدام الأسلحة وصنع زجاجات المولوتوف، اعتقلت الشرطة في روسيا أكثر من (2,000) مواطن شجاع احتجوا في الشوارع ضد الحرب. ويتضح بمرور كل يوم حجم الخسارة البشرية الناجمة عن عمليات العنف، إذ سجل مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان خلال الفترة ما بين 24 الى 28 فبراير/شباط مقتل (142) مدنياً في أوكرانيا، من بينهم (13) طفلًا، بالإضافة إلى (408) جريحًا، من بينهم 26 قاصرًا.

ويصبح التنقل أحد الوسائل الرئيسية للحفاظ على الحياة مع تزايد عدد الأشخاص المحتاجين للمساعدات الإنسانية في كل ساعة، فأول نتيجة للهجوم الروسي هي تدفق النازحين واللاجئين إلى غربي أوكرانيا وأوروبا بحثًا عن الحماية، خاصة النساء والأطفال، حيث يُحظر حاليًا على الرجال الأوكرانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عامًا مغادرة البلاد. في حين تشير أحدث التقديرات إلى نزوح أكثر من (100,000) شخص داخل أوكرانيا منذ بدء الغزو العسكري الروسي فيما لجأ حوالي (660,000) (أكثر من نصف مليون) شخص إلى دول قريبة.

وعلى الرغم من هذا المعدل المرتفع وغير المتوقع للجوء، إلا أنّ جميع البلدان المجاورة مثل بولندا والمجر ومولدوفا ورومانيا وسلوفاكيا فتحت حدودها لاستقبال اللاجئين، وتولت السلطات المحلية في كل دولة استقبال وإيواء وحماية اللاجئين من أوكرانيا، بالإضافة إلى أنّ المجتمعات المحلية تقدّم الدعم المالي والمادي من مواد الغذائية ومستلزمات النظافة إلى وسائل النقل والملاجئ المؤقتة فضلاً عن خدمات الترجمة الفورية والاستشارات القانونية والدعم النفسي.

للمرة الأولى، ترحب أوروبا بطالبي اللجوء دون تردد أو خوف أو خلافات داخلية.

أدرك فجأةً الجميع — مواطنين وحكومات — مبدأ الترابط والتكافل بين الشعوب، وأنه من المفيد للجميع أن تُبقى الحدود مفتوحة وأن يُسمح للناس بالدخول. ومع ذلك، فإن الاندفاع المشروع لمساعدة المدنيين الأوكرانيين يكشف تجاهلًا واضحًا لجميع المآسي الإنسانية الأخرى، إذ لا يوجد متسع في مراكز الإقامة، ولا مصداقية لطلبات اللجوء، ولا وقت لتقييمها، ولا أموال لتقديم معونة لائقة عندما يتعلق الأمر بمعاناة غير الغربيين أو غير البيض. لم تُظهر أوروبا أبدًا هذا القدر من الاهتمام والاحترام لليمن، الذي وصفته الأمم المتحدة بأنه “أكبر أزمة إنسانية في العالم”، ولا لفلسطين الواقعة تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي منذ عام 1967، ولا لأفغانستان أو سوريا أو ليبيا أو العراق أو ميانمار.

ولكن ما نشهده هنا هو بوصلة أخلاقية وسياسية مختلفة تحدد مسار دول، تقودها حكومات قومية كانت دائمًا ما تتلكك في الترحيب باللاجئين، وتجعلها ترحب باللاجئين الأوكرانيين، فدعا السياسي الإيطالي اليميني والمناهض للهجرة ماتيو سالفيني الحكومة هذه المرة للترحيب بالمواطنين الأوكرانيين الفارين من الصراع، مشيرًا إلى أنهم “لاجئين حقيقيين يفرون من حروب حقيقية”، وعلى نحو مماثل، قال رئيس الوزراء البلغاري كيريل بيتكوف للصحفيين: “هؤلاء الناس أوروبيون، وأذكياء، ومتعلمون […] وأن موجة اللاجئين هذه ليست كما اعتدنا عليه من أناس لم نكن متأكدين من هويتهم، أو لديهم ماضٍ غير واضح، أو حتى من الممكن أن يكونوا إرهابيين […] لا توجد دولة أوروبية واحدة الآن تخشى موجة اللاجئين الحالية”.

ولم تقتصر هذه المعايير المزدوجة على السياسيين فحسب بل طبقها الصحافيون أيضًا، فمنذ بداية الهجوم الروسي، ظهر عدد من الصحافيين المشهورين في عدد من وسائل الإعلام الغربية وقالوا بشكل صريح إنّ الأوكرانيين ذوو البشرة البيضاء أكثر أهمية من أي لاجئين آخرين، من خلال استخدام أوصاف عنصرية صريحة، إذ قال أحد المحللين على قناة “بي إف إم” الفرنسية: ” إننا لا نتحدث هنا عن السوريين الفارين من قصف النظام السوري المدعوم من بوتين، بل نتحدث عن أوروبيين يغادرون في سيارات تشبه سياراتنا لإنقاذ حياتهم”. أما نائب المدعي العام الأوكراني السابق ديفيد ساكفاريليدزي، فقد قال على “بي بي سي”: “إنه أمر مؤثر للغاية بالنسبة لي لأنني أرى أوروبيين من أصحاب العيون الزرقاء والشعر الأشقر يُقتلون”. كما علق مراسل في بولندا على قناة “آي تي في”  البريطانية: “هذه ليست دولة نامية في العالم الثالث، هذه هي أوروبا”، كما لو أن الحروب والمعاناة تكون مقبولة أكثر في البلدان الأفقر.

والأسوأ من ازداواجية المعايير في السردية الغربية حول موجة اللجوء الأوكرانية هي تقديم الحماية للأوكرانيين وحجبها عن جميع الأشخاص الآخرين الفاررين من نفس المناطق ونفس الحرب، فقد تعرض رعايا البلدان الثالثة من أفريقيا والشرق الأوسط الذين يعيشون في أوكرانيا وشُردوا مرتين، للتمييز خلال عملية الوصول إلى بر الأمان، فأعرب الاتحاد الأفريقي والحكومة النيجيرية عن قلقهما إزاء التقارير التي تفيد بمنع الشرطة الأوكرانية المواطنين الأفارقة من ركوب الحافلات والقطارات، ورفض حرس الحدود البولندي دخولهم إلى بولندا، ونقلت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين تقارير متعلقة بـ”التحديات التي يواجهها بعض رعايا البلدان الثالثة الذين يسعون إلى دخول بولندا”.

ولا ينبغي أن يكون مفاجئًا أن بعض الحدود ما تزال مغلقة أو قاتلة بالنسبة لبعض الجنسيات، فلم يتم التوصل حتى الآن لحل للوضع المأساوي الذي يعانيه المئات من المهاجرين وطالبي اللجوء العالقين منذ أشهر في البرد القارس في الغابة على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا والمحتجزين الآن في مركز استقبال في بلدة فيدرزين في بولندا، وهم  حاليًا مضربون عن الطعام اعتراضًا على ظروف احتجازهم الشبيهة بالسجون، ولكن مع اندلاع حرب جديدة على أبواب أوروبا وتغير البيئة الأمنية في أوروبا الشرقية، فمن المهم ألا يظل أحد عالقاً في مكان بين الحدود. حماية المدنيين في أوكرانيا يجب أن تكون أولوية، ولكنها يجب أن تشمل جميع المدنيين المتضررين. إن حماية بعض المدنيين مع ترك آلاف آخرين من الضعفاء عمداً على الحدود نفسها ليس حلاً، فيجب إعطاء الأولوية لجميع البشر المعنيين لمعالجة أي أزمة إنسانية.

في 2 مارس/ آذار الجاري، أي بعد أسبوع من بدء الحرب، فعّلت المفوضية الأوروبية — لأول مرة في التاريخ — “توجيه الحماية المؤقتة“، والذي يمنح الحماية الفورية للأشخاص الفارين من أوكرانيا بما في ذلك الرعايا غير الأوكرانيين المقيمين بشكل قانوني في أوكرانيا وطالبي اللجوء ومنحهم تصاريح إقامة لمدة عام، فضلاً عن إمكانية الحصول على التعليم والرعاية الطبية وسوق العمل، وقدمت المفوضية أيضًا مبادئ توجيهية تنفيذية تحث الدول على التعاون وتبادل المعلومات بشأن قدراتها على الاستقبال وعدد الأشخاص الذين يتمتعون بحماية مؤقتة في أراضيها من خلال “منصة التضامن”.

إن الشعور بالأمل والارتياح والرضا الذي توفره مثل هذه الاستجابة للشعب الأوكراني يترتب عليه استنتاج مرير، لأنه يثبت أنّ الاتحاد الأوروبي لديه القدرة على فتح حدوده، ويستطيع بالفعل اتخاذ تدابير استثنائية لتوفير الحماية الفورية، ولديه استعداد للتعاون، والوعي بأن الهجرة واللجوء أمران طبيعيان لا ينبغي الخوف منهما، ولكن فقط عندما يقرر ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.