المايك معك ٦ دقائق قراءة

التدخل الدولي لتحقيق الاستقرار في غزة: الأبعاد القانونية والسياسية وحماية المدنيين

بهزاد الأخرس
مسؤول الضغط والمناصرة لدى المرصد الأورومتوسطي

في ظلّ الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة منذ عام 2023، وعقب اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي، برز اقتراح نشر قوة دولية مؤقّتة لتحقيق الاستقرار في غزة، بادرت به الولايات المتحدة الأمريكية عبر مشروع قرار في مجلس الأمن، ثمّ جرى تبنيه لاحقًا ضمن المناقشات التي انتهت إلى اعتماد القرار 2803 لعام 2025، في سياق انهيار الهياكل الحاكمة وتدهور الوضع الإنساني في القطاع.

في حين يرى بعض صنّاع القرار أنّ هذه القوة يمكن أن تشكّل آلية انتقالية لاستعادة الأمن، وتسهيل الوصول الإنساني، ودعم جهود إعادة الإعمار، فإنّ المقترح يثير مخاوف قانونية وسياسية وعملياتية عميقة، تستوجب تقييمًا دقيقًا ضمن إطار حماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي.

من الناحية القانونية، يُعدّ تفويض مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الأساس الأكثر شرعية لنشر أي قوة دولية (ميثاق الأمم المتحدة، المواد 39–42). يتيح هذا الفصل للمجلس استخدام القوة أو تفويضها بهدف استعادة السلم والأمن الدوليين، كما حدث في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) وبعض عمليات حفظ السلام في البلقان. غير أنّ هذا النوع من التفويضات يصطدم عادةً بعوائق جيوسياسية، نتيجة تباين مواقف الدول دائمة العضوية تجاه إسرائيل وفلسطين، ما يجعل احتمالية صدور تفويض واضح ومُلزم محدودة للغاية.

تتضمن التحديات القانونية مسألتي الرضا والسيادة، وهما ركيزتان أساسيتان في نهج الأمم المتحدة لحفظ السلام. فمن الصعب تحديد الجهة التي تمتلك الحق القانوني بالموافقة على نشر قوات أجنبية في غزة؛ فبينما تدّعي إسرائيل أنها لم تعد تحتل القطاع بعد انسحابها عام 2005، فإنها تواصل السيطرة الفعلية على المجال الجوي والحدود وحركة السكان، ما يجعلها فعليًا قوة احتلال. وبناءً على ذلك، غالبًا ما تُعدّ موافقتها شرطًا لدخول القوات الأجنبية، في حين تبقى موافقة الفلسطينيين ضرورية أيضًا بما يتوافق مع مبدأ حق تقرير المصير. أي مهمة تُنفّذ دون موافقة الفلسطينيين تواجه خطر فقدان الشرعية، والظهور كسلطة بديلة لشعب القطاع، مما يقوّض الهدف المعلن المتمثل في حماية المدنيين.

بموجب قانون الاحتلال، تقع على قوة الاحتلال مسؤولية حماية المدنيين والحفاظ على النظام العام، ويمكن نظريًا لقوة دولية أن تدعم هذه الواجبات أو تتولاها مؤقتًا. إلا أنّ هذه العلاقة القانونية تتطلّب تعريفًا دقيقًا، إذ إن الغموض فيها قد يؤدي إلى تكرار الإشكالات التي ظهرت في العراق بين عامي 2003 و2004، حيث أضعف تداخل السلطات المساءلة. وبناءً عليه، ستحتاج أي قوة استقرار محتملة في غزة إلى قواعد واضحة تحدد نطاق السلطة وهيكل القيادة وحدود المسؤولية.

من منظور سياسي، يرى المؤيدون أن قوة استقرار دولية قد تلعب دورًا محوريًا في معالجة الأزمة الأمنية والإنسانية الراهنة في قطاع غزة، إذ يمكنها المساعدة في فرض وقف إطلاق النار، ومنع تجدد القتال، وتأمين الممرات الإنسانية، وحماية المدنيين خلال مرحلة انتقالية غير مستقرة. وتشير الأبحاث المقارنة في مجال حفظ السلام إلى أن الضمانات الأمنية التي يقدمها طرف ثالث يمكن أن تقلل من احتمالات تجدد الصراع، خصوصًا في المجتمعات الممزقة.

إلا أن أحد الأبعاد المؤثرة في هذا الصدد يتعلق بإدراك التحيز الدولي، لا سيما التحيز الأميركي لصالح إسرائيل، وهو ما يؤثر على شرعية وتصميم أي قوة استقرار مقترحة. على مر التاريخ، مارست الولايات المتحدة نفوذًا كبيرًا على عملية صنع القرار في الأمم المتحدة بشأن إسرائيل وفلسطين، وكثيرًا ما استخدمت حق النقض (الفيتو) ضد القرارات التي تنتقد الإجراءات أو المقترحات الإسرائيلية، بحجة أنها تقيد حرية إسرائيل العسكرية. ونتيجةً لذلك، يسود قدر كبير من الشك بين الفلسطينيين ودول الجنوب العالمي بشأن ميل الآليات الدولية إلى تغليب المصالح الأمنية الإسرائيلية والغربية على حساب الحياد في إدارة الصراع وحماية المدنيين.

في هذا السياق، ستختلف قوة تحقيق الاستقرار المقترحة في غزة بشكل واضح عن بعثات حفظ السلام الروتينية التابعة للأمم المتحدة، فهي لن تعمل كطرف محايد بين طرفين قبِلَا باتفاق سلام، بل ستكون تدخّلًا سياسيًا في صراع نشط وغير متكافئ، يحتفظ فيه أحد الطرفين بتفوق عسكري ساحق ودعم دبلوماسي كبير. ويثير ذلك مخاوف جدية بشأن قدرة هذه القوة على العمل بحيادية، واحتمال أن تسهم في ترسيخ اختلالات توازن القوى بدلًا من معالجتها.

إلى جانب ذلك، أكدت المنظمات الإنسانية العاملة في غزة مرارًا ضرورة ضمان وصول آمن لتقديم المساعدات، وإعادة تشغيل أنظمة المياه والكهرباء، وإصلاح البنية التحتية الطبية، وهي مهام تتطلب عادةً وجود مستوى كافٍ من الأمن والاستقرار.

نظريًا، يمكن لقوة تحقيق الاستقرار أن تدعم مسار إعادة البناء السياسي والمؤسسي في غزة، فقد تضررت هياكل الحكم المحلي بشكل بالغ، ويمكن لبعثة مؤقتة أن تسهم في إعادة تأسيس الخدمات الشرطية والقضائية والإدارية الأساسية، بما يتيح مساحة للمؤسسات الفلسطينية للتعافي وترسيخ المصالحة السياسية. وقد اقترح بعض المحللين إنشاء بعثة مشتركة بين الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، على غرار النماذج المطبّقة في دارفور، بهدف توفير شرعية إقليمية وتخفيف المخاوف من الهيمنة السياسية الغربية.

مع ذلك، تظل العقبات حقيقية وملحة، إذ أبدت إسرائيل وحماس وفصائل فلسطينية أخرى رفضًا لهذا الطرح، كلٌ لأسبابه الخاصة. فإسرائيل تخشى أن يقيد الوجود الدولي حريتها العسكرية، بينما تعتبر حماس القوات الأجنبية شكلًا من أشكال الوصاية الخارجية. وفي الوقت ذاته، تخشى السلطة الفلسطينية أن تبدو تابعة لقوى أجنبية. وبدون قبول سياسي واسع، لا سيما بين الفلسطينيين، ستواجه أي مهمة خطر الفشل أو الاستهداف، مما يترك المدنيين دون حماية.

يؤكد ذلك حقيقة جوهرية: أي تدخل يجب أن يمنح الأولوية لحماية المدنيين الفلسطينيين، وضمان وصولهم إلى المساعدات المنقذة للحياة، واحترام حقوقهم وحرياتهم. وإلا، فقد تسهم حتى قوة استقرار حسنة النية، دون قصد، في تعزيز مواطن الضعف نفسها التي يُفترض أن تعالجها.

من الناحية العملياتية، تظل غزة واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا أمام أي قوة دولية. فالكثافة السكانية العالية، وشبكات الأنفاق الواسعة، وتعدد الفصائل المسلحة، وغياب اتفاق سلام شامل، جميعها عوامل تشكل مخاطر كبيرة. وتُظهر الخبرات المستقاة من مهمات سابقة في بيئات مضطربة مماثلة، مثل لبنان عام 1983، والعراق، وأفغانستان، أن القوات الدولية قد تتكبد خسائر بشرية كبيرة بينما تحقق نتائج محدودة. إن نشر قوة استقرار في غزة قبل التوصل إلى تسوية سياسية ينطوي على خطر حقيقي، يتمثل في تفاقم حالة انعدام الأمن بدلًا من الحد منها.

لذلك، بجميع الأحوال، لا يمكن اعتبار وجود قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة مجديًا إلا في ظل شروط صارمة. يجب أن تعمل بتفويض واضح من مجلس الأمن الدولي، وتحظى بموافقة صريحة من كل من إسرائيل والفلسطينيين، وأن تشمل مشاركة إقليمية فاعلة، وتلتزم بالحياد، وتحافظ على تفويض يُعطي الأولوية لحماية المدنيين مع دعم المؤسسات الفلسطينية بدلًا من استبدالها. وبدون هذه الضمانات، تُخاطر البعثة بفقدان شرعيتها، أو أن تتحول إلى هدف، أو أن تُرسخ شكلًا من أشكال السيطرة الأجنبية طويلة الأمد.

إذا صُممت هذه القوة بعناية ونُفّذت بمسؤولية، فقد توفر إطارًا مؤقتًا يضمن وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة بناء المؤسسات الأساسية، وتهيئة مساحة لمستقبل سياسي مستدام لشعب غزة، قائم على حمايتهم وحقوقهم في كل مرحلة.

اقرأ أيضاً

الرئيسية