على الأمريكيين أن يطالبوا بتحقيق حقيقي في مقتل شيرين أبو عاقلة

ريتشارد فولك، رئيس مجلس الأمناء في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان

إذا كانت أموال الضرائب التي ندفعها تذهب لشراء أسلحة تستخدم لقتل الصحافيين وغيرهم من الأبرياء، فهذه ليست مجرد جريمة بحق القانون الدولي، إنها جريمة بحق القانون الأمريكي أيضًا.

شيرين أبو عاقلة كانت مراسلة معروفة ومحنكة لقناة الجزيرة على مدى السنوات الـ 25 الماضية، وكانت تحظى باحترام في جميع أنحاء العالم العربي بفضل تقاريرها الشجاعة والصادقة عن النضال الفلسطيني.

قُتلت أبو عاقلة في 11 مايو/أذار برصاصة أثناء تغطيتها اقتحام الجيش الإسرائيلي لمخيم جنين للاجئين الفلسطينيين شمالي الضفة الغربية.

كان مقتل أبو عاقلة في الضفة الغربية -التي تحتلها إسرائيل- صادمًا، لكنه لم يكن خارجًا عن المعهود عن إسرائيل. فوفقًا لنقابة الصحافيين الفلسطينيين، كانت “شيرين” الصحافية رقم 86 التي تُقتل أثناء تغطيتها للقمع الإسرائيلي منذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية في عام 1967.

يمثّل قتل الصحافية “شيرين أبو عاقلة” حلقة من تاريخ طويل من العنف والعقاب الجماعي الذي تمارسه إسرائيل، ليس فقط ضد الصحافيين ولكن ضد جميع الفلسطينيين، فيما تحظى إسرائيل دائمًا بالإفلات من العقاب وتبرر أفعالها بحجج “أمنية” ملفقة.

ظهر مدى تأصل هذا الإجرام مرة أخرى بشكل صادم بعد عملية القتل، عندما هاجمت الشرطة الإسرائيلية موكب الجنازة الذي كان يحمل جثة “شيرين” إلى الكنيسة، فألقى عناصر الشرطة الأعلام الفلسطينية على الأرض وضربوا المشيّعين بعنف، بمن فيهم حاملو التابوت الذي كاد أن يسقط على الأرض.

أظهر مقتل “أبو عاقلة” والاعتداء على موكب جنازتها مرة أخرى الطبيعة الهيكلية للعنصرية الإسرائيلية والعنف ضد الفلسطينيين، فتصف منظمة العفو الدولية “الانتهاكات التي تُرتكب بشكل منتظم لحقوق الفلسطينيين” بأنها “ليست تكرارًا بالصدفة لمخالفات وإنما هي جزء من نظام مؤسسي يقوم على القمع الممنهج والهيمنة”.

لا شك أن “أبو عاقلة” قُتلت عمدًا برصاص قناص إسرائيلي، فقد كانت ترتدي خوذة وسترة واقية زرقاء عليها كلمة “PRESS” ويحيط بها صحافيون آخرون عندما تم إطلاق النار، الذي أدى لإصابتها برصاصة في رأسها وإصابة صحافي فلسطيني آخر بجروح خطيرة.

حاول المسؤولون الإسرائيليون -كالعادة- على الفور إلقاء اللوم على الفلسطينيين، فقدّموا من رئيس الوزراء نفتالي بينيت إلى كل من هم تحته مزاعم غير مقنعة بأن مسلحين فلسطينيين كانوا مسؤولين عن القتل، ولكن، في غضون ساعات، نجح العاملون الميدانيون في منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية لحقوق الإنسان في دحض المزاعم الإسرائيلية بسهولة.

وفي الوقت الذي التقى فيه وزير الدفاع “لويد أوستن” مع نظيره الإسرائيلي “بيني غانتس” في 17 مايو/أذار، كانت تل أبيب قد تراجعت إلى حد كبير عن مزاعمها بشأن مسؤولية الفلسطينيين عن عملية القتل، وزعمت الصحافة الإسرائيلية أن “غانتس” أشار إلى ترحيب إسرائيل بالتحقيق في مقتل “شيرين”.

لكن هذا الادعاء (الذي لم يرد ذكره في بيان البنتاغون بعد الاجتماع) تبخّر في وجه التقارير التي تفيد بأن إسرائيل قرّرت بالفعل أنها لن تحقق في الحادثة، لأن استجواب الجنود الإسرائيليين كمشتبه بهم محتملين “من شأنه أن يثير المعارضة والجدل داخل الجيش الإسرائيلي والمجتمع الإسرائيلي بشكل عام”.

إنّ مثل هذا النمط من الإنكار ليس سوى جزء بسيط من نمط أوسع وأكثر انتشارًا من الاضطهاد.

وإسرائيل نفسها لا تخفي هذا. فالقانون الأساسي للدولة لعام 2018 ينص صراحة على منح مواطني إسرائيل اليهود فقط، دون المواطنين الفلسطينيين، حق تقرير المصير.

وكانت خلصت منظمة العفو الولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمة بتسيلم، إلى أنّ هذا النظام يشكل جريمة الفصل العنصري، وبينما تستمر هذه الجريمة الدولية، وما يرتبط بها من انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم الحرب لعقود من الزمان، يستمر الدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والعسكري من الولايات المتحدة لإسرائيل دون قيد أو شرط.

تمنح واشنطن ما يزيد عن 3.8 مليار دولار سنويًا بشكل مباشر إلى الجيش الإسرائيلي، يستخدم معظمها لشراء أنظمة أسلحة وذخائر أمريكية الصنع وغير ذلك، ما يجعل الولايات المتحدة متواطئة في ارتكاب إسرائيل لجرائمها.

إذن ما الذي يجب أن يحدث الآن؟

المشاركة الدولية أمر بالغ الأهمية. يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تضيف مقتل “شيرين أبو عاقلة” والاعتداء على الصحافيين الفلسطينيين إلى ملف تحقيقاتها الحالية في الجرائم الإسرائيلية المزعومة، ويمكن أيضًا لمجموعة متنوعة من هيئات الأمم المتحدة الاستجابة عن طريق إصدار تقارير تقدم توصيات سياساتية.

يجب أن تركز الدعوات لإجراء تحقيق مستقل موثوق به على مسؤولية الولايات المتحدة.

دعا مسؤولون في إدارة بايدن وبعض أعضاء الكونجرس إلى إجراء تحقيق في مقتل “أبو عاقلة، وهذا مرحب به لكنه غير كافٍ، فلإسرائيل تاريخ طويل في إجراء تحقيقاتها الخاصة، وكلها تقريبًا تنتهي بإفلات القوات العسكرية الإسرائيلية من العقاب وعدم تعرض كبار المسؤولين العسكريين وصناع القرار السياسي للمحاسبة مطلقًا.

نحن في الولايات المتحدة يجب أن نصر على المزيد.

لماذا؟ قبل كل شيء، لأن أموال الضرائب الخاصة بنا تدفع 20٪ من الميزانية العسكرية لإسرائيل. من الممكن أن تكون الرصاصة أو البندقية المستخدمة لقتل “شيرين” اشتريت من شركات تصنيع الأسلحة الأمريكية بأموالنا الخاصة.

إذا كان هذا هو الحال، نحن بحاجة إلى معرفة ذلك، فقوانين الولايات المتحدة تحظر ذلك.

إنّ القيود التي يفرضها قانون “ليهي” على المساعدة العسكرية واضحة وضوح الشمس، فهي تنص على عدم “تقديم أي مساعدة إلى أي وحدة من قوات الأمن لدولة أجنبية إذا كان لدى وزير الخارجية معلومات موثوقة بأن هذه الوحدة قد ارتكبت انتهاكًا جسيمًا لحقوق الانسان.”

وتشير المعلومات الموثوقة، بما في ذلك الصادرة عن منظمة حقوق الإنسان الرائدة في إسرائيل [بتسيلم] وخمسة صحافيين معروفين كانوا يقفون مع “شيرين أبو عاقلة” عندما قُتلت، إلى أنها قُتلت بدم بارد. إذا لم يكن ذلك كافيًا، يجب على وزارة الخارجية اقتراح إرسال فريق تقصي حقائق مستقل تابع للأمم المتحدة لإعداد تقرير.

العسكرة آخذة في الارتفاع، سواء في الولايات المتحدة أو في جميع أنحاء العالم. ربما سيوفر القتل الوحشي لشيرين أبو عاقلة، المواطنة الأمريكية-الفلسطينية المولودة في القدس -وهجوم الشرطة على المعزين قوة دافعة لإعادة التفكير في دعم واشنطن غير المشروط لعدم احترام إسرائيل للقانون.

هذا المقال مترجم عن اللغة الإنجليزية، اضغط هنا لقراءة المقال الأصلي.

قتل الصحافية شيرين أبو عاقلة.. هل ينتظر العالم أن تعاقب إسرائيل نفسها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.