هل نحن بحاجة إلى منظومة قانونية جديدة تحمي حرية الرأي والتعبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي؟

محمد صيام – مدير الشؤون القانونية في منظمة سكاي لاين الدولية.

يُنسب لمواقع المتواصل الإجتماعي الدور الأبرز في توفيرالمنصة الرئيسية للمناقشات السياسية والاجتماعية التي كان لها الدور الأكبر في تغيير الخارطة السياسية والاجتماعية للعديد من الدول العربية وحتى الأوروبية. فعلى سبيل المثال،ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في توفير البيئة المناسبة في اندلاع شرارة الربيع العربي ابتداءًا بتونس مرورًا بمصر ثم ليبيا واليمن وباقي الدول. كما ساهمت تلك المواقع في تسليط الضوء على العديد من القضايا في الدول الأوروبية كظاهرة تنامي خطاب العنصرية والكراهية ضد الماهجرين واللاجئين، حيث كان لتلك المواقع مساهمة متقدمة في تسليط الضوء على عشرات القضايا وايجاد حلول لها بعد تداولها عبر حسابات مشتركيها. 

لم يتوقف تأثير مواقع التواصل الإجتماعي على ثورات الربيع العربي، بل امتدت وتوسعت وأصبحت منصة رئيسية ومصدرًا مهمًا للمتابعين والمهتمين بالشأن السياسي في معظم دول العالم، حتى أضحت تلك المواقع قِبلة لشريحة واسعة من الأفراد الذين يعتمدون عليها في معرفة مجريات الأحداث ونقل ما يجري لحظة بلحظة، لا سيما ممارسات العديد من الحكومات الديكتاتورية التي عمدت بدورها، إلى إسكات الأصوات المطالبة بحقوقها، عبر مراقبة وسائل التواصل الإجتماعي وتقييد سياسة النشر، حتى وصل الأمر لإقرار تشريعات تعاقب بالحبس والغرامات المالية الكبيرة ضد النشطاء والصحفيين والمواطنين في حال نشرهم محتوى يتعارض مع “سياسات الحكومات”.

لكن يظل الخطر الأكبر على حرية التعبير عبر الفضاء الرقمي، هو تنامي التعاون المشترك بين بعض الدول  المعروفة بقمعها لحرية الرأي والتعبير ومواقع التواصل الاجتماعي، التي باتتتوفر لتلك الحكومات الأدوات المناسبة لملاحقة النشطاء والمعارضين والصحفيين عبر حذف منشوراتهم وتقييد الوصول لحساباتهم وتتبع أنشطتهم ، بل وإغلاق صفحاتهم بشكل نهائي، بحجة أن تلك المنشورات تهدد النظام العام واستقرار البلاد الأمر الذي بات يشكل تهديدًا حقيقيًا على تمتع الأفراد بحقهم في التعبير عن آرائهم دون تقييد أو ملاحقة.

يضاف لذلك الانحياز الواضح لتلك المواقع لا سيما منصات “فيسبوك” و”تويتر” و”انستغرام” لبعض الجهات على حساب حرية الرأي والتعبير، والتي كان آخرها محاربة المحتوى الفلسطيني وحتى الدولي الرافض للاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفسلطيني. حيث قامت تلك المواقع بإغلاق عشرات الحسابات، وحذفت آلاف التغريدات والمنشورات التي كانت تنقل حقيقة ما يجري داخل الأراضي الفلسطينية أثناء عدوان الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة في مايو/أيار السابق، حيث تم توثيق أكثر من 770 انتهاك من قبل تلك المواقع خلال شهر واحد لحسابات مؤثريين فلسطينيين ودوليين بسبب المحتوى الذي كانوا يقومون بنشره.

أمام هذه المعطيات برزت عدة تساؤلات أبرزها: ما هو دور القانون الدولي في حماية حرية الرأي والتعبير؟ وكيف يمكن ضبط تدخلات مواقع التواصل الاجتماعي فيما ينشره الأفراد عبر حساباتهم؟ وهل نحن بحاجة لقوانين جديدة تضبط الغياب القانوني المواكب للتعاون المشترك بين مواقع التواصل الاجتماعي والحكومات القمعية؟

يتضمن الحق في حرية الرأي والتعبير حريتين متلازمتين لا يمكن الفصل بينهما أو ممارسة إحداهما دون الأخرى، الأولى حرية الرأي، والثانية حرية التعبير، وبالتالي فإن ضمان ممارسة هذا الحق بمثابة الركن والأساس لبناء المجتمع الديمقراطي وتطويره واستمرار بقائه.

ومن أجل ضمان تمتع الأفراد بهذين الحقين المتلازمين، أقرالقانون الدولي مجموعة من الاتفاقيات الدولية التي وفرت الغطاء الكامل لممارسة الحق في حرية الرأي والتعبير دون قيود ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اللذان نصا في المادة 19 منهما على أن ” لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة. لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها”. إضافة للعديد من المواثيق الدولية الأخرى كإعلان اليونسكو عام 1978 والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان والميثاق الافريقي لحقوق الإنسان وغيرها من المواثيق التي كفلت مجتمعة الحق الكامل في حرية الرأي والتعبير ووجوب مساهمة الدول في ضمان تلك الحقوق.

لكن تلك المواثيق وغيرها لم تسهم للأسف- في تغيير الواقع الذي يُظهر ممارسات عكسية لما نصت عليه الاتفاقيات الدولية، لا سيما ممارسات مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت تتصدر المشهد في انتهاك حقوق مستخدميها من خلال محاربة حقهم في التعبير عن آرائهم عبر منشوراتهم وتغريداتهم بحرية، الأمر الذي دفع عشرات المنظمات الحقوقية لمخاطبة تلك المواقع لضرورة وقف ممارساتها غير القانونية. كما قام بعض الأفراد برفع عشرات الدعاوى القضائية على بعض المنصات مثل “فيسبوك” و”تويتر” بسبب سياستها التقييدية التي لا تستند إلى معطيات حقيقية أو صحيحة. الأمر الذي دفع تلك الشركات لإعلانها عن تشكيل لجان تحقيق لبحث تلك الشكاوى وتقديم الوعود بمراجعة سياستها في تتبع بعض المنشورات.

حيث تعهدت شركة  “فيسبوك” بتاريخ 16 مارس/آذار 2021، بنشر تقرير سنوي حول تعاملها مع ” مخاوف حقوق الإنسان الناشئة عن منتجات أو سياسة أو ممارسات الشركة  التجارية، مؤكدة بأنها ستقوم بالإبلاغ عن “أهم” قضايا حقوق الإنسان التي تتعامل معها إلى مجلس إدارتها. إضافة لقرراها إنشاء صندوق لتقديم “المساعدة غير المتصلة بالإنترنت” لدعم وحماية للنشطاء والصحفيين وغيرهم من “المدافعين عن حقوق الإنسان” لكنها لم تذكر قيمة المبلغ المالي الذي خصصته لهذا الصندوق.

وأضافت الشركة بأن ذلك القرار سيشمل جميع خدمات “فيسبوك بما في ذلك تطبيقات “واتساب” و”إنستجرام” وغيرها، حيث تعهدت الشركة في بيانها التصدي لمحاولات تقويض التشفير، وإلتزامها بتوسيع نطاق عملها في مجال الحقوق المدنية ، وتوفير سبل انتصاف لأضرار حقوق الإنسان .

ما يمكن تأكيده، هو أن مثل هذه الاعلانات والقرارات هدفها الأساسي هو امتصاص حالة السخط والغضب التي تعصف بمواقع التواصل الاجتماعي من قبل المستخدمين بسبب ممارسات تلك المواقع التقيديية، الأمر الذي يؤكد بأننا بحاجة إلى مراجعة قانونية حقيقية تشمل إصدار تشريعات جديدة تهدف إلى ضبط وتحديد صلاحيات شركات مواقع التواصل الاجتماعي في تحكمها بما ينشره الأفراد. وضرورة العمل على توفير الحماية والحصانة الكاملة لحقوق المستخدمين ومعلوماتهم من التداول والمراقبة من قبل مواقع التواصل الاجتماعي. ووجوب النص على عقوبات رادعة على المخالفين من قبل تلك الشركات في حال ثبت تورطها بانتهاك حقوق مستخدميها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.