زاوية الاخبار ٦ دقائق قراءة

التهجير القسري تفرضه إسرائيل بالتجويع والقتل العمد في شمال غزة

تستمر الأوضاع الإنسانية في شمال غزة بالتدهور بشكل غير مسبوق بسبب الحصار الإسرائيلي المشدد والحرب العنيفة التي تتعرض لها المنطقة بهدف التهجير القسري، حيث يواجه أكثر من 400 ألف فلسطيني خطر الجوع والعطش بسبب الحصار المشدد الذي تفرضه إسرائيل.

فمنذ اندلاع الحرب الأخيرة في أكتوبر 2024، تفاقمت المعاناة اليومية للسكان المدنيين في شمال غزة، إذ يُعاني أكثر من نصف السكان من نقص حاد في الغذاء، المياه الصالحة للشرب، والدواء، مما أدى إلى وضع كارثي وصفته الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية بـ”الأزمة الإنسانية الكبرى”.

ويضيق الخناق أكثر على شمال غزة نتيجة للحصار الإسرائيلي المتواصل منذ 170 يوماً، والذي فرض إغلاقاً شاملاً على القطاعين الشمالي والغربي. ما يزيد من مأساوية الوضع.

وفي محاولات متكررة من الجيش الإسرائيلي لتضليل الرأي العام عبر الإدعاء بإدخال شاحنات طحين إلى المنطقة، بينما الحقيقة على الأرض تشير إلى أن هذا الحصار قد تسبب في تجويع الآلاف، وتفاقم المعاناة مع استمرار القصف العنيف الذي أسفر عن مقتل أكثر من 342 شخصاً وجرح المئات خلال العشرة أيام الأخيرة.

فالمجاعة التي تضرب شمال غزة حاليًا بسبب القيود المفروضة على دخول المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية، إلى جانب التدمير الممنهج للبنية التحتية، واستهداف سبل المعيشة، حيث يعتمد معظم سكان شمال غزة على المساعدات الدولية لتلبية احتياجاتهم الغذائية، ومع تدهور الوضع الأمني والحرب المتصاعدة في المنطقة، أصبحت إمكانية وصول تلك المساعدات شبه معدومة.

ومع إغلاق المعابر الحدودية، مثل معبر كرم أبو سالم الذي يُعتبر المنفذ الوحيد لدخول البضائع التجارية، يعاني القطاع من نقص شديد في المواد الغذائية، فالمواد الأساسية مثل الطحين، الأرز، والزيوت تكاد تكون معدومة في الأسواق المحلية، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وأصبحت العديد من الأسر غير قادرة على تأمين الطعام اليومي.

وبحسب تقارير صادرة عن منظمات إنسانية، فإن حوالي 80% من سكان غزة يعتمدون بشكل رئيسي على المساعدات الغذائية، والتي أصبحت شحيحة في ظل الظروف الحالية.

إن ما يجري في شمال قطاع غزة ليس مجرد حرب، بل هو جريمة إبادة جماعية وتطهير عرقي ممنهج تُنفذ بوحشية على مدار أسابيع. فالاحتلال الإسرائيلي لا يكتفي بالقصف العشوائي وتدمير البنية التحتية الحيوية، بل يواصل إغلاق كافة المنافذ الإنسانية، مانعًا دخول المواد الغذائية والدوائية، مما يفاقم من معاناة السكان الذين يواجهون خطر المجاعة، فالأحياء السكنية تُسوى بالأرض، والمستشفيات والمدارس والمساجد لم تسلم من هذه الهجمات، في محاولة واضحة لتهجير السكان وتجريدهم من كل سبل الحياة.

كما أدت الحرب إلى تدمير شبكات المياه ومحطات التحلية التي يعتمد عليها السكان في الحصول على مياه الشرب، كما أن حوالي 97% من المياه في غزة غير صالحة للشرب، ومع قصف المحطات وشبكات التوزيع، أصبح من الصعب جداً الحصول على مياه نظيفة، مما يزيد من تفاقم الأزمة الصحية والغذائية.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه الهجمات الإسرائيلية على المنطقة، يواجه المدنيون خطر القصف الجوي، بالإضافة إلى القصف المدفعي الذي أسفر عن مقتل مئات الأشخاص وجرح العديد من الآخرين، كما يتعرض السكان للتهجير القسري، حيث اضطر العديد منهم للنزوح من منازلهم بحثًا عن الأمان.

إن ما يحدث يعكس سياسة منهجية تهدف إلى تفريغ المنطقة من سكانها من خلال أساليب قمعية تشمل القتل والتهجير.

من جهة أخرى تعتبر الزراعة أحد المصادر الرئيسية للأمن الغذائي في قطاع غزة، ولكن القصف المكثف من قبل الجيش الإسرائيلي استهدف بشكل مباشر الأراضي الزراعية والمزارع الحيوية التي يعتمد عليها سكان شمال غزة لتوفير الغذا، ووفقاً لتقارير ميدانية، تم تدمير مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، بما في ذلك المزارع التي تنتج الخضروات والفواكه، وكذلك مزارع الدواجن والمواشي، ما أدى إلى شلل في الإنتاج المحلي من الغذاء.

كما أدى تدمير مرافق التخزين ومراكز التوزيع إلى فقدان كميات كبيرة من المواد الغذائية التي كان من المفترض أن تُوزع على السكان، وزاد من صعوبة وصول المنتجات الغذائية إلى الأسواق المحلية، إن وُجدت. نتيجة لذلك، ارتفعت معدلات البطالة بين العاملين في الزراعة بشكل كبير، مما أدى إلى فقدان آلاف العائلات مصدر رزقها الأساسي.

تُعد مشكلة سوء التغذية من أخطر التحديات التي تواجه سكان شمال غزة في ظل الحرب والحصار. الأطفال والنساء الحوامل هم الفئات الأكثر تضرراً، حيث يعاني الآلاف منهم من سوء تغذية حاد بسبب نقص الغذاء الكافي والمغذي. ويقدر أن أكثر من 30% من الأطفال في غزة يعانون من توقف النمو أو سوء التغذية المزمن، مما يعرضهم لخطر الإصابة بأمراض خطيرة قد تؤثر على حياتهم ومستقبلهم.

إلى جانب ذلك، أدى نقص الغذاء وتردي الأوضاع الصحية إلى انتشار الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، مثل فقر الدم ونقص الفيتامينات، خصوصاً في ظل انعدام الرعاية الصحية الكافية، فمع القصف المستمر وتدمير المستشفيات، بات من المستحيل تقريباً تقديم الرعاية الصحية اللازمة للمرضى، مما يعقد الوضع الصحي بشكل أكبر.

وفي السياق أدت الحرب الحالية على غزة وخصوصا شمالها إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان ة، حيث هُجرت آلاف العائلات من منازلها بعد تعرضها للقصف أو بسبب الخوف من الاستهداف.

وتعيش هذه العائلات النازحة في ظروف قاسية داخل المدارس والمباني العامة التي تم تحويلها إلى مراكز إيواء مؤقتة، إلا أن هذه المراكز تعاني من نقص حاد في الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والمياه النظيفة، فضلاً عن الازدحام الشديد، مما يزيد من خطر انتشار الأمراض.

وفي ظل التصعيد العسكري والحصار، أصبحت المنظمات الإنسانية تواجه تحديات غير مسبوقة في إيصال المساعدات إلى شمال غزة، فقد تم استهداف العديد من القوافل الإنسانية أثناء محاولتها إيصال الإمدادات الغذائية والطبية، مما أدى إلى توقف شبه كامل لتدفق المساعدات، كما أن الظروف الأمنية المتدهورة تجعل من المستحيل على العاملين الإنسانيين تقديم الخدمات اللازمة للسكان.

وقد دعت الأمم المتحدة مراراً إلى ضرورة فتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات إلى غزة، إلا أن الجهود الدولية لم تنجح حتى الآن في تحقيق هذا الهدف.

ومع مرور كل يوم دون دخول المساعدات، تزداد الأزمة سوءاً ويصبح السكان أكثر ضعفاً في مواجهة المجاعة المتزايدة.

ولا تقتصر الأزمة في شمال غزة على الجوانب المادية فقط، بل تتعداها إلى التأثيرات النفسية العميقة التي يعاني منها السكان، حيث يعيش آلاف الأطفال في حالة من الصدمة النفسية نتيجة فقدان منازلهم أو أقاربهم، وكذلك نتيجة الخوف المستمر من القصف، وتعاني العديد من العائلات من انهيارات نفسية نتيجة عدم قدرتها على تأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية لأطفالها، مما يؤدي إلى تفاقم المشاكل الاجتماعية داخل المجتمعات المحلية.

كما أن النزوح والفقر والانعدام المستمر للأمن الغذائي يؤثران بشكل كبير على تماسك المجتمع وقدرته على الصمود، حيث أصبحت العائلات تعتمد بشكل كامل على المساعدات الخارجية للبقاء على قيد الحياة، دون وجود أي أفق لتحسن الوضع في المستقبل القريب.

إن الأوضاع الإنسانية في شمال غزة اليوم تعكس أزمة مجاعة كارثية تتطلب استجابة دولية عاجلة، فالحصار الإسرائيلي المستمر، إلى جانب الحرب المدمرة، أديا إلى شلل كامل في سبل الحياة اليومية للسكان، حيث أصبح الحصول على الغذاء والمياه الصالحة للشرب أمراً شبه مستحيل.

الوضع يتفاقم مع كل يوم يمر دون تدخل دولي فعال لفتح ممرات إنسانية آمنة أو إنهاء الحصار.

لذا، يجب على المجتمع الدولي التحرك بسرعة لتقديم المساعدات العاجلة لسكان شمال غزة، والعمل على تحقيق هدنة دائمة تتيح دخول الإمدادات الغذائية والطبية بشكل مستمر، لضمان إنقاذ حياة الآلاف من السكان الأبرياء الذين يواجهون خطر المجاعة.

اقرأ أيضاً

الرئيسية