المايك معك ٤ دقائق قراءة

خطاب الكراهية في أحداث الساحل السوري: ضرورة المعالجة الجذرية لتحقيق السلم الأهلي

أنس جرجاوي

في 6 آذار/ مارس الجاري، شهدت مدن وقرى وبلدات في محافظتي اللاذقية وطرطوس في الساحل السوري أعمال عنف كبيرة استمرت لأيام إثر مهاجمة متمردين مرتبطين بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد تجمعات ومراكز أمنية وعسكرية، فقتلوا واختطفوا العشرات، وحاولوا السيطرة على بعض المدن والبلدات والمراكز العسكرية.

لترد القوات التابعة للحكومة ومدنيين مسلحين أيضًا بحملة واسعة لم يكن ضحاياها المتمردون فقط، بل عدد كبير من المدنيين الأبرياء الذين قتلوا انتقامًا فقط لكونهم من الحاضنة الشعبية أو الطائفة الدينية التي ينتمي إليها المتمردون.

توازيًا مع ما كان يجري على الأرض من فظائع، كشفت الأزمة عن مشاكل عميقة في الخطاب الإلكتروني غير الموجّه، وتحديدًا ردود الفعل التلقائية التي بدرت من آلاف أو عشرات آلاف الأشخاص على الأحداث، إذ بدا واضحًا أنّ الحرب الوحشية التي شنّها نظام الأسد المخلوع على شعبه لنحو 14 عامًا قد تسبّبت بشروخ مجتمعية وطائفية ونفسية طويلة الأمد، قد يكون من الصعب الاستشفاء منها.

على مدار السنوات الماضية، دفع السوريون أغلى الأثمان من دمائهم وبيوتهم واستقرارهم للتحرر من أحد أسوأ الأنظمة الإجرامية على الإطلاق، ولذا فإنّه من المفهوم أن يتصدّوا بقوة لأي محاولة للعودة إلى تلك الحقبة المظلمة، لكنّ من غير المقبول في الوقت ذاته أن يتحول عدد ليس بالقليل منهم إلى ما يشبه نسخة جديدة من الأشخاص الذين ساندوا وحرّضوا المجرمين ودعموهم وبرّروا جرائمهم.

بمعنى آخر، الأشخاص الذين وقعوا ضحايا لخطاب التحريض لا ينبغي أن يكونوا الآن هم المحرضون على ارتكاب أية جرائم أو انتهاكات بحق الأبرياء مهما كانت الظروف أو المبررات.

بطبيعة الحال، فإنّ الظروف ليست مثالية على مستوى تماسك النسيج الاجتماعي ومبادئ السلم الأهلي والعيش المشترك في سوريا بسبب ما تعرّض له المدنيون على مدار السنوات الماضية، لكنّ هل يبرر ذلك أن يعجب أو يروّج الشخص لمشهد إعدام ميداني لشاب أو مسن لمجرد أنّه من نفس الطائفة التي كان أتبعاها مسؤولين عن معظم الأعمال الوحشية التي عانى منها السوريون منذ عقود؟ هل من الأخلاقي أن يروّج الضحايا السابقون لمشهد يعمد فيه أفراد من الأمن إلى الاعتداء بالضرب العنيف على مدنيين أثناء اعتقالهم، وإهانتهم بمختلف أنواع الشتائم، وإجبارهم على تقليد أصوات الحيوانات؟

عندما نفّذ فلول النظام المخلوع جرائمهم بحق أفراد الأمن ومدنيين أيضًا في مناطق الساحل السوري، تسيّد منطق الانتقام خطاب فئة ليست قليلة من الضحايا السابقين، ومن المعروف أنّ الانتقام لا يقود سوى لدوامة غير منتهية من العنف، ولا يمكن أصلًا اعتباره مسارًا لتحقيق العدالة سواء في الجرائم التي نفذها فلول المخلوع، أو حتى كنهج في مسار تحقيق العدالة لملايين من الضحايا على مدار العقود الماضية، فهل يرتضي من سخّر حياته لنيل حريّته والعيش في دولة القانون والمساواة أن يصفّق ويدعم الجرائم بحق المدنيين الأبرياء؟

تكمن حقيقة الأزمة أنّ هذا الخطاب لم يكن موجهًا بل كان عفويًا في كثير من الحالات، ولكن المؤسف حقًا أنّ عددًا من المدونين والنشطاء السوريين البارزين برّروا تلك الجرائم، واختلقوا الذرائع لمرتكبيها، ليلهموا -دون قصد- بالضرورة الأشخاص العاديين لتبني خطاب التشفي والانتقام، وقد يُعدّ ذلك سببًا رئيسيًا في انتشاره وتطبيعه.

ذهب بعض النشطاء البارزين أبعد من ذلك، إذ صبّوا جام غضبهم على من أنكر عليهم تشفيهم بمقتل المدنيين وحضّهم على الاحتكام إلى العقل والقانون، ووصموهم باتهامات تراوحت بين التخوين و”الإفراط في الإنسانية”، وزعموا عدم أحقيتهم في الإدلاء برأيهم لأنهم لم يسبق لهم أن أنكروا الفظائع التي كان يرتكبها النظام المخلوع.

في مفارقة حميدة، كان التعاطي الرسمي مع الجرائم التي ارتكبها أفراد تابعون للحكومة السورية مختلفًا، إذ أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع قرارًا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق لضمان محاسبة ومساءلة المتورطين في الجرائم التي ارتكبت خلال أحداث الساحل، وأرسل لجنة أخرى للسلم المجتمعي بهدف تحقيق المصالحة المجتمعية في المنطقة.

كما نشرت وزارة الداخلية السورية تباعًا صورًا من إلقاء القبض على أفراد أمن وعسكريين ظهروا في مقاطع فيديو وهم ينفذون إعدامات ميدانية أو انتهاكات ضد المدنيين.

في مثل هذا الوضع، لا يمكن فرض التغيير أو معالجة الأمر بالطرق التقليدية، ولكنّ بخطط مدروسة طويلة الأمد تضمن في نهاية المطاف أن يُغلّب الضحايا أو الأشخاص العاديون المنطق الإنساني على غريزة الانتقام، وأن يتوقفوا عن التعاطف مع الآخرين تبعًا لتقسيمات طائفية أو مناطقية أو اجتماعية، وأن ينتصروا للمبادئ والقيم التي دفعوا كثيرًا من الأثمان لأجلها.

مسؤولية التغيير ليست بسيطة أو سهلة، وهي مسؤولية مشتركة لكل من الفرد والمجتمع والدولة، فالتغيير يبدأ من إنكار الفرد على نفسه التحريض على مثل هذه الجرائم، أما الجمعيات والمنظمات المحلية فينبغي أن يكون لها دور مؤثر وفاعل في إطلاق مبادرات مستمرة لتعزيز السلم الأهلي والمجتمعي وبرامج التأهيل والدعم النفسي.

وفوق ذلك، يبقى دور الدولة الرئيسي في تجريم خطاب الكراهية والعنف، ورصده من خلال هيئات خاصة، توازيًا مع إبراز قيم ومبادئ التصالح والمساواة والعدل والتسامح في المناهج التعليمية وقبل ذلك في سلوك جميع المسؤولين الرسميين.

اقرأ أيضاً

الرئيسية