كشف تقرير جديد صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة أن العام 2024 شهد أكبر عدد من الانتهاكات الجسيمة ضد الأطفال في مناطق النزاع منذ نحو ثلاثة عقود، في تصعيد خطير يعكس التدهور المتواصل في حماية الأطفال في بؤر الصراع حول العالم.
ووفقًا للتقرير الذي صدر ضمن ولاية الممثلة الخاصة للأمين العام المعنية بالأطفال والنزاع المسلح، تم التحقق من 41,370 انتهاكًا جسيمًا ضد الأطفال في 2024، بزيادة بلغت 25% مقارنة بالعام 2023، وهي أعلى حصيلة يتم تسجيلها منذ تأسيس الآلية الأممية في عام 1996.
وأكد التقرير أن الأوضاع الإنسانية المتدهورة، وغياب المحاسبة، وانتهاك القانون الدولي الإنساني، كلها عوامل ساهمت في تعريض الأطفال بشكل متزايد للقتل، والتشويه، والعنف الجنسي، والتجنيد القسري، والاختطاف، والهجمات على المدارس والمرافق الطبية.
غزة في صدارة الانتهاكات
أوضح التقرير أن إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة قطاع غزة، شهدت أعلى معدلات الانتهاكات خلال العام الماضي، حيث تم التحقق من 8,544 انتهاكًا جسيمًا ضد 2,959 طفلًا في المناطق الفلسطينية، فيما سُجلت 10 انتهاكات في إسرائيل. وأعرب الأمين العام عن “فزع بالغ“ إزاء استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق السكنية المكتظة، وما نجم عنه من سقوط أعداد كبيرة من الأطفال بين قتلى ومصابين.
وأشار التقرير إلى أن غزة شهدت تصعيدًا خطيرًا في وتيرة القصف والدمار خلال عام 2024، ما جعل الأطفال هناك عرضة لانتهاكات متعددة، بينها القتل، والتشويه، ومنع المساعدات، والتأثير المدمر على المدارس والمستشفيات.
السودان وسوريا: بؤر نزاع دامية
في السودان، سجل التقرير 2,041 انتهاكًا جسيمًا بحق 1,882 طفلًا، بما في ذلك 752 حالة قتل و987 إصابة، وسط تفاقم النزاع الداخلي وغياب الحماية الإنسانية، خصوصًا في مناطق دارفور ووسط البلاد. ودعا الأمين العام جميع الأطراف السودانية إلى الامتناع عن استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق السكنية وتسريح الأطفال المجندين.
أما في سوريا، فقد وثق التقرير 1,300 انتهاك ضد الأطفال، وأشار إلى تزايد استهدافهم بالقصف والاحتجاز والانتهاكات الجنسية، مع التأكيد على ضرورة إعادة تفعيل العملية السياسية برعاية أممية تضمن حماية حقوق الأطفال وتوفير برامج لإعادة إدماجهم.
اليمن ولبنان: استمرار المعاناة
في اليمن، تم تسجيل 583 انتهاكًا ضد 504 أطفال، شملت القتل والتجنيد والعنف الجنسي والهجمات على المدارس والمراكز الصحية. وأشاد التقرير باعتماد بروتوكول لتسليم الأطفال المرتبطين بالقوات والجماعات المسلحة إلى الجهات المدنية المختصة، داعيًا إلى توسيع برامج إعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.
وفي لبنان، رُصدت 669 انتهاكًا بحق 628 طفلًا، خاصة في المناطق الجنوبية المتأثرة بالقصف والاشتباكات. وأبدى التقرير قلقًا حيال استخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق الآهلة، مطالبًا جميع أطراف النزاع بالامتثال الكامل للقانون الدولي الإنساني.
جرس إنذار عالمي
في تعقيبها على التقرير، وصفت الممثلة الخاصة للأمين العام، فيرجينيا غامبا، الأرقام بأنها “جرس إنذار مدوٍ“، مؤكدة أن “22,495 طفلًا تم حرمانهم من الطفولة في 2024، ووجدوا أنفسهم في قلب نيران الحروب بدلًا من مقاعد الدراسة أو ملاعب الكرة“.
ودعت غامبا المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات عاجلة لإنهاء الحرب على الأطفال، وفرض التزامات حقيقية على أطراف النزاع، والتمسك بمبادئ القانون الدولي الإنساني. وأضافت أن الاستخدام المتكرر للأسلحة الثقيلة في المدن والأحياء السكنية يمثل أحد أبرز أسباب مقتل وتشويه الأطفال.
تصعيد في الوحشية
أبرز التقرير أن الانتهاكات الجنسية ضد الأطفال ارتفعت بنسبة 34%، بينما زادت الهجمات على المدارس بنسبة 44%، في حين ارتفعت الانتهاكات المتعددة (كالتجنيد والاغتصاب معًا) بنسبة 17%، ما يعكس تصعيدًا مقلقًا في وحشية النزاعات المسلحة.
وأكدت الأمم المتحدة أن الإفلات من العقاب هو العامل المحوري في استمرار الانتهاكات، ودعت إلى فرض ضغوط سياسية وقانونية على الأطراف المنتهِكة، وتوسيع برامج الرصد والمساءلة، وضمان حماية المدارس والمستشفيات من الهجمات.
في ظل هذا المشهد القاتم، يبدو أن الأطفال باتوا الحلقة الأضعف في الحروب المعاصرة، ودفعوا أثمانًا باهظة لصراعات لم يكونوا طرفًا فيها.