زاوية الاخبار ١٠ دقائق قراءة

الأورومتوسطي: أوامر الإخلاء الإسرائيلية بلبنان تتسبب بموجة نزوح غير مسبوقة

حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من التداعيات الإنسانية الكارثية الناجمة عن توسيع الجيش الإسرائيلي هجماته العسكرية على لبنان، بما في ذلك إصدار أوامر إخلاء غير قانونية تسببت في موجة نزوح قسري واسعة، في ظل عجز البنية التحتية والخدمات الإنسانية عن الاستجابة للاحتياجات المتفاقمة للنازحين.

وقال المرصد الأورومتوسطي إنّ التصعيد العسكري الإسرائيلي، الذي بدأ فجر يوم الإثنين 2 آذار/مارس الجاري، وشمل قصفًا جويًا وبحريًا مكثفًا على مناطق في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، أسفر عن مقتل نحو 850 لبنانيًا وإصابة آلاف آخرين، ودفع أكثر من مليون شخص إلى النزوح من مناطقهم، في واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي التي شهدها لبنان في تاريخه الحديث.

وأشار إلى أنّ هذا التصعيد يأتي في سياق استمرار الهجمات الإسرائيلية على لبنان رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وفي ظل تطورات إقليمية متسارعة، من بينها الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، إلى جانب استمرار الهجمات الصاروخية التي ينفذها “حزب الله” من لبنان باتجاه الأراضي الإسرائيلية.

جئت بأطفالي من تحت القصف لأحميهم، لكنني فقدت أحدهم بسبب هذه الظروف. ما أزال غير قادرة على استيعاب ما حدث، كانت تلك من اللحظات الأشد قسوة في حياتي
مريم قاسم، سيدة من بلدة “حاريص” جنوبي لبنان

وأوضح المرصد الأورومتوسطي أنّ تصاعد وتيرة الهجمات الإسرائيلية واتساع نطاقها الجغرافي، لا سيما في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، وما رافق ذلك من أوامر إخلاء واسعة، أدّيا إلى إفراغ شبه كامل لبلدات وقرى بأكملها، في ظروف اتسمت بالذعر الجماعي وغياب الممرات الآمنة والتدابير الكفيلة بحماية المدنيين وتأمين نزوحهم المنظّم، الأمر الذي يثير مخاوف جدّية من أن ترقى هذه الأوامر إلى نزوح قسري محظور للسكان المدنيين، فضلًا عن تعريضهم لمخاطر واسعة على حياتهم وسلامتهم.

وبيّن الأورومتوسطي أنّ الشهادات الميدانية التي جمعها فريقه توثّق ظروف نزوح قاسية وغير إنسانية، إذ استغرقت الرحلات من جنوب لبنان إلى بيروت ما يصل إلى 24 ساعة بسبب الاكتظاظ الشديد، بدلًا من نحو ساعتين في الظروف الطبيعية، فيما بقيت عائلات لساعات طويلة داخل المركبات من دون طعام أو ماء، واضطر كثيرون إلى مغادرة منازلهم على نحو مفاجئ من دون التمكن من حمل احتياجاتهم الأساسية.

وأضاف أنّ الأطفال والنساء، بمن فيهم الحوامل، وكبار السن، كانوا الأكثر تضررًا من هذه الظروف، إذ أظهرت الإفادات الميدانية تعرّضهم لإجهاد جسدي ونفسي شديد، بما في ذلك توثيق وفاة طفلة رضيعة، وحالات إغماء بين النساء الحوامل، وبقاء أطفال لساعات طويلة من دون غذاء، إلى جانب صعوبات حادة في الوصول إلى المرافق الصحية أو الحصول على الرعاية الطبية الأساسية.

وفي هذا السياق، أبلغت “مريم قاسم” من بلدة “حاريص” جنوبي لبنان فريق المرصد الأورومتوسطي: “أُبلغنا بشكل مفاجئ بضرورة مغادرة المنزل، فاضطررنا المغادرة على عجل برفقة والدتي وأطفالي، وبينهم ثلاثة توائم حديثو الولادة لا يتجاوز عمرهم شهرًا ونصف، إضافة إلى طفلة أخرى تبلغ أربع سنوات”.

وأضافت: “همي الوحيد كان إنقاذ أطفالي وحمايتهم. قدت السيارة بنفسي في بداية الطريق، بينما كانت طفلتي الصغيرة في حضني، إلى أن وصلت إلى بلدة قانا حيث تمكنت إحدى قريباتي من مساعدتي في القيادة حتى أتمكن من إطعام أطفالي. بقينا نحو يومين على الطريق دون نوم أو طعام أو حتى ماء”.

وقالت: “وصلنا بعد ذلك إلى بلدة “بعلشميه” حيث تمكن بعض الجيران من استضافتنا مؤقتًا، لكنّ الصدمة جاءت في صباح اليوم التالي، عندما اكتشفت أن إحدى رضيعاتي قد توفيت. جئت بأطفالي من تحت القصف لأحميهم، لكنني فقدت أحدهم بسبب هذه الظروف. ما أزال غير قادرة على استيعاب ما حدث، كانت تلك من اللحظات الأشد قسوة في حياتي”.

وإلى جانب ذلك، وثّق المرصد الأورومتوسطي صعوبات حادة واجهتها النساء الحوامل في الوصول إلى المرافق الصحية والحصول على الرعاية الطبية الأساسية خلال النزوح، في ظل ظروف إيواء ونقل تفتقر إلى الحد الأدنى من الكرامة والسلامة الصحية؛ فقد روت “مها”، وهي حامل في شهرها الثامن من بلدة “عيتيت”، أنها اضطرت إلى البقاء داخل السيارة نحو سبع ساعات، بعدما رفضت إحدى محطات الوقود السماح لها باستخدام المرافق الصحية. كذلك أفادت “رقية”، وهي حامل من مدينة “صور”، بأنها قضت ليلة كاملة داخل السيارة وهي تعاني آلامًا شديدة في البطن، قبل أن تلجأ إلى مدرسة مكتظة في منطقة “الجناح” في بيروت تفتقر إلى الحد الأدنى من النظافة، ما أدى إلى تعرضها لحالتي إغماء، كما وصفت امرأة حامل تقيم في مركز إيواء في “المتن الأعلى” قسوة الإقامة في مكان غير مريح وغير مهيأ من الناحية الصحية.

وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ عددًا كبيرًا من النازحين لم يتلقَّ أي دعم من الجهات الرسمية أو المنظمات الإنسانية حتى تاريخ إصدار هذا البيان، بما أجبرها على تدبر احتياجاتها الأساسية بوسائلها المحدودة أو عبر مبادرات فردية متفرقة يقودها متطوعون ومجتمعات محلية، مبينًّا أنّ الهوة المتسعة بين حجم النزوح والقدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء، خاصة مع تراجع عدد المرافق المفتوحة مقارنة بموجات نزوح سابقة، فاقمت الضغط إلى مستويات حرجة على البنية التحتية والخدمات الإنسانية، وأبقت آلاف العائلات بلا مأوى مناسب وفي ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية والكرامة.

وفي هذا السياق، قالت “أمل الصغير”، وهي من بلدة “عيناتا” في قضاء “بنت جبيل”، لفريق المرصد الأورومتوسطي إنّ اللحظات الأولى للقصف كانت صادمة ومليئة بالخوف، إذ يقع منزلها مقابل جبل “الباط” في بلدة “عيترون”، وهي إحدى النقاط التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية داخل لبنان.

وأضافت: “أول ما كنت أفكر به عند سماع أصوات القصف ليلًا كان ابنتي وكيف يمكنها حمايتها. لم أفكر بالبيت ولا بأي شيء آخر. كل ما كان يشغل بالي هو أن أحمي ابنتي”.

وتابعت: “غادرت منزلي على عجل بعد أن أخذت بعض الأغراض البسيطة لابنتي فقط. قضينا رحلة نزوح مريرة تجاوزت 24 ساعة قبل أن نصل إلى بيروت. لم أكن أعرف إلى أين سأتجه أو أين سأبيت، إلى أن اتصلت بي شقيقة زوجي وأخبرتني أنها تمكنت من تأمين مكان مؤقت لي في فندق في منطقة الحمرا في بيروت”.

وأكّدت: نحاول تدبير أمورنا بأنفسنا في بيروت، إذ إنّنا لم نتلق أي مساعدة من أي جهة رسمية أو أهلية. لم يسأل عنا أحد، لا من الدولة ولا من الجمعيات”.

وعلى نحو مماثل، وثّق المرصد الأورومتوسطي حالات نزوح قاسية اضطرت فيها عائلات إلى قضاء ليالٍ كاملة داخل السيارات أو في العراء، أو إلى الاحتماء بمراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط الصحية والإنسانية. فقد روت “هبة” من “بنت جبيل” أن عائلتها أمضت 17 ساعة في رحلة نزوح شاقة، قبل أن تضطر إلى الجلوس على شاطئ البحر في صيدا، ثم التنقل بين أماكن إقامة مؤقتة وغير صالحة، من بينها مختبر ضيق في “بشامون” لا يتسع حتى لفرشة، وغرفة رطبة في “عرمون”. ومع ارتفاع إيجارات المنازل في المناطق الآمنة إلى ما لا يقل عن ألف دولار شهريًا، لم تجد العائلة في نهاية المطاف سوى منزل يفتقر إلى التدفئة في “فاريا”. كما اضطر الشاب “سليمان” من بلدة “شقرا” جنوبي لبنان إلى الاحتماء بأحد المساجد في بيروت، بعد رحلة نزوح قاسية من بلدته.

كما رصد الأورومتوسطي صعوبات جسيمة في إجلاء المرضى وكبار السن في ظل الاكتظاظ المروري وخطورة الأوضاع الميدانية، بما جعل بعض الحالات على شفا التحول إلى وفيات نتيجة التأخر في الإجلاء. وفي هذا السياق، وثّق المرصد الأورومتوسطي معاناة المسن “أبو عيسى” (نحو 90 عامًا)، الذي تُرك وحيدًا في منزله في منطقة “المشرفية” بالضاحية الجنوبية لبيروت عند صدور التهديد الإسرائيلي بالإخلاء، في وقت عجز فيه ابنه وفرق الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليه بسبب خطورة الوضع، إلى أن تمكن صديق ابنه من إخراجه بصعوبة على دراجة نارية، من دون أدويته أو ملابسه.

أبلغ “عيسى” نجل المسن “أبو عيسى” فريق المرصد الأورومتوسطي: “كانت الضاحية تُخلى بالكامل، والناس لا تعرف أين تذهب. حاولت العودة لأخذ والدي، لكن الازدحام كان شديدًا والطريق مقفلة. والدي لا يستطيع الحركة بسهولة، لذلك بدأت بالاتصال بعدة جهات، بينها الإسعاف والصليب الأحمر والدفاع المدني، وزودتهم بموقع والدي. تلقيت وعودًا بأنهم سيحاولون الوصول إليه، لكن لم يستطع أحد الوصول بسبب خطورة الوضع”.

وأضاف: “بعد أكثر من ساعة من التهديد المفاجئ بالإخلاء، تمكن أحد أصدقائي من الوصول إلى المنزل على دراجة نارية، ونقل والدي إلى منطقة “الطيونة” من دون أن يتمكن من أخذ أدويته أو ملابسه أو أي من حاجياته الأساسية”.

وتابع: “تمكنت لاحقًا من الوصول إلى والدي بعد وقت طويل من البحث والازدحام، ونقله إلى منطقة الحمرا في بيروت. لو بقي والدي في المنزل ربما كنا خسرناه. الحمد لله أننا استطعنا إنقاذه. نقيم حاليًا في أحد الفنادق في بيروت رغم صعوبة تحمّل تكاليف الإقامة. لا أحد يساعدنا حتى الآن، لا جمعيات ولا الدولة”.

وأكد المرصد الأورومتوسطي أنّ إجبار المدنيين على النزوح بهذه الصورة، من خلال أوامر إخلاء واسعة تصدر في ظل هجمات مكثفة ومن دون توفير ممرات آمنة أو ضمانات فعلية للإيواء والرعاية، يثير مخاوف جدّية من وقوع نزوح قسري محظور بالمخالفة لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما القواعد العرفية التي تحظر الأمر بنزوح السكان المدنيين لأسباب متصلة بالنزاع إلا إذا اقتضته سلامتهم أو أسباب عسكرية قهرية، وتُلزم أطراف النزاع باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنيب المدنيين آثار العمليات العسكرية.

ويشير هذا النمط من أوامر الإخلاء والهجمات المرافقة لها إلى شبهات جدّية بارتكاب جرائم حرب، بالنظر إلى ما ينطوي عليه من نزوح قسري غير مبرر للسكان المدنيين، وما يكشفه من إخلال بقواعد التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة لحمايتهم. كما يوفّر أساسًا جديًا للنظر في احتمال ارتقائه إلى جريمة ضد الإنسانية، عندما يثبت أنه قد نُفّذ في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين، بما في ذلك من خلال الترحيل أو النقل القسري للسكان والأفعال اللاإنسانية الأخرى.

وشدّد على أنّ الفشل في تحييد المدنيين، واتساع نطاق الهجمات، وتدمير البنى التحتية الأساسية، ودفع أكثر من مليون شخص، بينهم أطفال ونساء حوامل وكبار سن، إلى النزوح في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان والكرامة والرعاية، قد يشكل نمطًا خطيرًا من المعاملة القاسية واللاإنسانية، ويثير مخاوف إضافية بشأن العقاب الجماعي، خاصة مع ترك أعداد واسعة من النازحين من دون مأوى ملائم أو غذاء أو رعاية صحية كافية.

ودعا المرصد الأورومتوسطي الدول كافة إلى الامتناع عن تقديم أي شكل من أشكال الدعم العسكري أو السياسي الذي من شأنه الإسهام في استمرار الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين في لبنان، أو في إدامة الظروف التي تتيح وقوعها، مؤكدًا أن على الدول واجبًا قانونيًا بعدم المساعدة أو الإسهام في أفعال غير مشروعة دوليًا.

ودعا الأورومتوسطي المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى التدخل الفوري والفاعل لممارسة ضغوط حاسمة على إسرائيل لوقف هجماتها العسكرية غير المشروعة التي تطال المدنيين والأعيان المدنية، ووقف أوامر الإخلاء التي تدفع السكان إلى نزوح قسري واسع في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية، مؤكدًا ضرورة اتخاذ إجراءات دولية ملزمة تكفل الامتثال لقواعد القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك احترام مبدأي التمييز والتناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.

وطالب بفتح تحقيق دولي مستقل وفوري في الهجمات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء وآثارها على السكان المدنيين، بما في ذلك ما نجم عنها من قتل وإصابات ونزوح واسع وحرمان من المأوى والرعاية الأساسية، على أن يفضي هذا التحقيق إلى تحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين وضمان جبر الضرر للضحايا.

وطالب المرصد الأورومتوسطي وكالات الأمم المتحدة الإنسانية، ولا سيما مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، بإطلاق استجابة طارئة وعاجلة تتناسب مع حجم النزوح والاحتياجات المتفاقمة، والعمل على توسيع القدرة الاستيعابية لمراكز الإيواء، وتوفير أماكن إيواء مؤقتة لائقة وآمنة، ومرافق صحية متنقلة، وإمدادات غذائية وطبية عاجلة، مع إيلاء أولوية خاصة لاحتياجات النساء الحوامل والأطفال وكبار السن والمرضى والأشخاص ذوي الإعاقة، وضمان وصولهم الفعلي إلى الرعاية والخدمات الأساسية، بما في ذلك ترتيبات الإجلاء الطبي العاجل للحالات الأشد ضعفًا.

وحثّ المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان السلطات اللبنانية على الاضطلاع بمسؤولياتها القانونية والإنسانية من خلال تفعيل خطط طوارئ وطنية شاملة لاستيعاب موجات النزوح المتصاعدة، وتهيئة المباني والمرافق العامة بصورة عاجلة لتكون بدائل آمنة ومناسبة للإيواء، واتخاذ تدابير فعالة لضبط الفوضى والاستغلال في قطاع الإسكان، بما في ذلك مراقبة الإيجارات ومنع المضاربة ورفع الأسعار بصورة تعسفية ووضع سقوف وضوابط مؤقتة للإيجارات في المناطق التي يتم النزوح إليها لمنع الاستغلال، إلى جانب توفير الحماية والدعم النفسي والاجتماعي والمادي للنازحين، وتسهيل عمل المبادرات الأهلية والمتطوعين، بما يضمن صون كرامتهم وتوفير الرعاية اللازمة لهم إلى حين تهيؤ ظروف العودة الآمنة والطوعية إلى مناطقهم.

اقرأ أيضاً

الرئيسية