زاوية الاخبار ٧ دقائق قراءة

الأورومتوسطي: إسرائيل ترتكب جرائم مركبة بتهجير المدنيين جنوبي لبنان

قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن الجيش الإسرائيلي يرتكب جريمة مركبة ووينتهج سابقة خطيرة في تنفيذ سياسات تهجير غير قانونية في لبنان، من خلال إجبار مدنيين على ترك أماكن سكناهم، ثم تهديد سكان مناطق أخرى بقصف وتدمير بلداتهم حال استقبلوا النازحين فيها.

وشدد المرصد الأورومتوسطي على أن استخدام الجيش الإسرائيلي التهديد غير المشروع عبر اتصالات مباشرة مع قادة محليين في عدة قرى جنوبي لبنان، بقصف بلداتهم وتدميرها ما لم يُجبروا نازحين على مغادرتها على أساس طائفي، يكشف عن نمط شديد الخطورة من استخدام التهديد غير المشروع بالقتل والتدمير ضد السكان المدنيين وأماكن سكناهم، لإكراه مجتمعات مدنية على ارتكاب أفعال قسرية بحق مدنيين آخرين، بما يتجاوز الإنذارات العسكرية التقليدية ليصل إلى مستوى هندسة سلوك اجتماعي قسري تحت وطأة القوة، وعلى نحو يؤلب المجتمعات المحلية ضد بعضها البعض، ويهدد السلم الأهلي، ويخلق بؤر توتر ونزاعات داخلية.

وذكر الأورومتوسطي في بيان صحافي اليوم الأربعاء أنّه وثّق خلال شهر مارس/آذار المنصرم إجراء ضبّاط في الجيش الإسرائيلي اتصالات محددة مع رؤساء بلديات ومخاتير وقيادات محلية في ثماني قرى على الأقل ذات تركيبة ديموغرافية مسيحية ودرزية في جنوبي لبنان، حملت أوامر صريحة بإجبار العائلات النازحة، التي ينتمي معظمها إلى الطائفة الشيعية، على إخلاء أماكن لجوئها فورًا، مقرونة بتهديدات واضحة بأن استمرار إيواء هؤلاء النازحين سيجعل تلك البلدات والقرى عرضة للقصف والتدمير المباشر، وهو ما دفع هذه المجتمعات المحلية، تحت وطأة التهديد غير المشروع باستهداف بلداتها وسكانها، إلى الرضوخ وإجبار النازحين على المغادرة قسرًا، أملًا في تجنّب تدمير بلداتهم.

ووفقًا للتوثيقات الميدانية التي جمعها المرصد الأورومتوسطي، تلقّى مختار بلدة “رميش” الحدودية في جنوبي لبنان، مطلع شهر آذار/مارس الماضي، اتصالًا مباشرًا من ضابط في الجيش الإسرائيلي أمره فيه بإخلاء النازحين الشيعة الذين لجؤوا إلى البلدة من القرى المجاورة فورًا، مهددًا باستهداف البلدة في حال عدم الامتثال، وهو الإجراء الذي تكرّر فيه هذا النمط ذاته مع قيادات محلية في بلدات أخرى، منها “القليعة” و”علما الشعب”، بما أفضى إلى إكراه تلك المجتمعات المحلية، تحت التهديد غير المشروع بالقصف والتدمير، على طرد مئات النازحين الشيعة قسرًا خشية استهداف بلداتها وسكانها.

وبحسب ما رصده فريق الأورومتوسطي الميداني، يتجنب القادة المحليون إبلاغ السكان والنازحين بشكل واضح بتلقيهم اتصالات من الجيش الإسرائيلي تفيد بطلب إخلاء النازحين من الطائفة الشيعية، لكن –في الوقت ذاته— تُوجَّه شرطة البلديات لتنفيذ أوامر إخلاء النازحين بهدف تجنب تدمير البلدات المضيفة.

في إفادة لفريق المرصد الأورومتوسطي الميداني، قال “م.ج.”—وهو أحد سكان بلدة “بنت جبيل” لكنه كان نازحًا في بلدة “رميش”— إنه بقي هناك حتى تاريخ 10 مارس/آذار، قبل أن تطلب شرطة البلدية منه ومن العائلات الأخرى المغادرة بشكل مفاجئ.

وأضاف: “فجأة، جاءت شرطة البلدية وأبلغت الناس بضرورة المغادرة. القرار شمل أكثر من مئة عائلة من بلدات عدة، بينها بنت جبيل وعيترون. لم نكن نعرف إلى أين نذهب. كل شخص بدأ يبحث عن مأوى بأي وسيلة. بعض ]النازحين[ لجأوا إلى أقاربهم أو معارفهم ]في مناطق أخرى[، فيما غادرت عائلات أخرى من دون وجهة واضحة، متجهة بسياراتها نحو المجهول.”

وقال: “بعد اتصالات كثيرة مع الأقارب، تمكّنا من إيجاد مكان في صيدا لي ولعائلتي. لكن لا أعلم ماذا فعل البقية، ولا أين ذهبوا، ولا إن كانوا تمكنوا من إيجاد مأوى، أو بقوا في سياراتهم على الطرقات. الألم ليس فقط في مغادرتنا. بل في أننا لا نعرف إلى أين، نذهب ولا إن كان هناك مكان يمكن أن نعود إليه.”

وأوضح المرصد الأورومتوسطي أنّ هذا النمط المنهجي، المتمثل في استخدام التهديد بالقصف والتدمير والضغط النفسي الشديد لحمل المجتمعات المحلية على طرد نازحين على أسس طائفية، يكشف عن آلية مركبة لا تستهدف النازحين وحدهم، بل تستهدف أيضًا النسيج الاجتماعي اللبناني ذاته؛ بحيث أن هذه التهديدات الإسرائيلية لا تُنتج فقط تهجيرًا قسريًا وتمييزًا طائفيًا، بل تعمد كذلك إلى تفكيك الثقة بين المكونات اللبنانية، وإثارة الشك والعداء المتبادل بينها، وتقويض أسس التضامن الأهلي، بما يجعل من المدنيين أنفسهم أدوات قسرية في تنفيذ سياسة إسرائيلية تقوم على الإبعاد والتفكيك الاجتماعي وخلق توترات داخلية قد تمتد آثارها إلى ما بعد انتهاء الواقعة نفسها.

وحذّر الأورومتوسطي من أنّ إرغام سكان من طوائف وديانات مختلفة عن تلك التي يعتنقها النازحون على التورّط في مسار التشريد والطرد، يخلق حالة من الانقسام والاحتقان المجتمعي، بخاصة أنّ سكان القرى المضيفة استقبلوا في بداية الأمر النازحين ووفروا لهم في كثير من الحالات مآوٍ كريمة داخل بيوتهم، بما يؤشر إلى أنّ الاستراتيجية الإسرائيلية تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة نحو تغذية الانقسامات الدينية والطائفية، وإخضاع المدنيين ومفاقمة معاناتهم، وإعادة هندسة الواقع الاجتماعي بالقوة.

وأكد المرصد الأورومتوسطي أن هذه السياسة الإسرائيلية تكرّس، على نحو خطير، تهجيرًا قسريًا متكررًا للمدنيين، إذ يُجبر أشخاص سبق أن فرّوا من مناطق النزاع على النزوح مرة أخرى تحت وطأة التهديد. كما أن التهديد باستهداف القرى أو المساكن أو أماكن الإيواء لمجرد استضافتها نازحين ينطوي على انتهاك جسيم لقواعد القانون الدولي الإنساني، كون النازحين يظلون أشخاصًا مدنيين يتمتعون بالحماية، فيما تبقى أماكن إيوائهم، من حيث الأصل، أعيانًا مدنية لا يجوز استهدافها ما لم تفقد هذه الحماية وفقًا للشروط الصارمة التي يقرّها القانون.

وعليه، فإن استخدام التهديد بالقصف والتدمير لإجبار المجتمعات المحلية على طرد النازحين لا يشكل فقط خرقًا لمبدأ التمييز وحظر العقاب الجماعي، بل قد يندرج أيضًا ضمن أفعال التهجير القسري والاضطهاد وغيرها من الانتهاكات الجسيمة التي قد تشكل، بحسب السياق والعناصر المتوافرة، جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أن مسؤولية إسرائيل لا تنتفي عن هذا التهجير لمجرد أن الإخلاء نُفّذ عبر مجتمعات محلية أو قيادات مدنية، ذلك أنّ نظام روما الأساسي يعرّف الترحيل أو النقل القسري بأنه الإزاحة القسرية للأشخاص من المكان الموجودين فيه بصورة مشروعة بطريق الطرد أو غيره من الأفعال القسرية، كما يوضح أن الإكراه لا يقتصر على القوة المادية، بل يشمل التهديد بالقوة والخوف من العنف والقهر النفسي واستغلال البيئة القسرية، وبالتالي، فإن خلق بيئة تهديد تحمل القرى المضيفة على طرد النازحين اتقاء للقصف يجعل إسرائيل مسؤولة بشكل مباشر عن التهجير الناتج بوصفه نتيجة مباشرة لأفعالها القسرية.

وبيّن أنّ التهديد بنزع الحصانة المدنية عن القرى المضيفة وتدميرها لمجرّد إيوائها نازحين، يمثّل انتهاكًا صارخًا لمبدأ التمييز الراسخ في القانون الدولي الإنساني، مشيرًا إلى أنّ وجود نازحين لا يجرّد بأيّ حال من الأحوال المناطق السكنية والمجتمعات المدنية من صفتها وحصانتها، ولا يمنح القوات المهاجمة أيّ مبرّر قانوني لتحويلها إلى أهداف عسكرية مباحة، ممّا يجعل هذه التهديدات ترقى إلى مستوى أعمال الترهيب الممنهجة والمحظورة صراحةً بموجب المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة.

وشدّد على أنّ لجوء الجيش الإسرائيلي إلى سلاح الابتزاز والتهديد العسكري المباشر لإجبار القيادات المحلية على تنفيذ أوامر طرد النازحين، يندرج في إطار سياسة العقاب الجماعي المحظورة دوليًا، إذ تُعاقب المجتمعات المضيفة بالترويع والتهديد بالتدمير لبيئتها المدنية، في حين يُعاقب النازحون بالتشريد القسري المتعدّد، منبّهًا إلى أنّ استخدام القوة العسكرية لإكراه المدنيين على تنفيذ سياسات تهجير غير قانونية يمثّل سابقةً خطيرةً تضرب في صميم قواعد حماية المدنيين وقت النزاعات المسلحة.

ودعا المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي، وبخاصة الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، إلى التحرّك الفوري والفعّال لوقف هذه السياسة الإسرائيلية، واتخاذ تدابير ملموسة تكفل حماية النازحين والمجتمعات المضيفة في جنوبي لبنان، ومساءلة المسؤولين الإسرائيليين عن استخدام التهديد بالقصف والتدمير لإكراه المدنيين على طرد نازحين على أسس طائفية، لما يمثله ذلك من توظيف غير مشروع للقوة لإنتاج تهجير قسري جديد بحق مدنيين سبق أن أُكرهوا أصلًا على النزوح.

وشدّد المرصد الأورومتوسطي على ضرورة توفير حماية عاجلة وفعّالة للنازحين داخليًا وللمجتمعات المضيفة لهم، بما يضمن عدم تعريضهم لأي شكل من أشكال التهديد أو الإكراه أو التمييز القائم على الانتماء الطائفي أو الديني، ويكفل تمتعهم بالحماية المقررة للمدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني، بما يشمل حمايتهم من الاستهداف، ومن التهجير أو النزوح القسري المتكرر، ومن الطرد من أماكن إيوائهم.

وطالب المرصد الأورومتوسطي السلطات اللبنانية بتحمّل مسؤولياتها السيادية في صون السلم الأهلي، واتخاذ تدابير استباقية لتجنب تأليب المجتمعات المحلية المضيفة ضد النازحين ودفعها، تحت التهديد، إلى الانخراط في طردهم على أسس طائفية. كما دعاها إلى تأمين بدائل إيواء آمنة وكريمة تحول دون تعرّض النازحين لمزيد من النزوح وانعدام الحماية، وتكفل عدم تركهم عرضة لآثار التهديدات الإسرائيلية ونتائجها القسرية داخل البيئة المحلية.

وطالب الأورومتوسطي قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “يونيفيل” بالالتزام بولايتها، بموجب قرار مجلس الأمن 1701، فيما يتصل بحماية المدنيين المعرّضين لخطر وشيك من العنف، ضمن مناطق انتشارها ووفق قدراتها، واتخاذ ما يلزم لضمان بيئة آمنة لوصول المساعدات الإنسانية إلى النازحين والمتضررين.

ودعا المرصد الأورومتوسطي أيضًا إلى إيفاد بعثات تقصي حقائق وآليات رصد مستقلة، تتمتع بالقدرة على الوصول والتوثيق والتحقق، من أجل فحص هذه الوقائع ورصد أنماط التهديد والإكراه والتهجير القسري المرتبطة بها، وتثبيت الأدلة وحفظها وفقا للمعايير الدولية، ويمهّد لمسارات مساءلة جدية عن الانتهاكات المرتكبة.

اقرأ أيضاً

الرئيسية