زاوية الاخبار ٧ دقائق قراءة

الأورومتوسطي: استمرار إسرائيل باستهداف المدنيين في لبنان رغم التفاهمات يُفرغ وقف إطلاق النار من مضمونه الحمائي

قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إن الغارات الإسرائيلية المكثفة التي استهدفت مناطق واسعة في جنوبي لبنان والبقاع الغربي خلال الساعات الأخيرة، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 83 شخصًا وإصابة 141 آخرين، بينهم أطفال ونساء، تشكل مؤشرًا إضافيًا على نمط متكرر من الهجمات التي تطال المدنيين والأعيان المدنية والاستهانة باتفاقات وقف إطلاق النار المتعاقبة، في انتهاك للقواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب، وفي ظل استمرار غياب المساءلة الدولية الفعالة.

وأوضح المرصد الأورومتوسطي، في بيان اليوم السبت، أن الحصيلة المعلنة من وزارة الصحة العامة اللبنانية شملت مقتل سبعة أشخاص وإصابة 13 آخرين، من بينهم خمسة أطفال وخمس نساء، جراء غارة استهدفت بلدة قناريت في قضاء صيدا. كما قُتل أربعة أفراد من عائلة واحدة وأُصيب شخص آخر إثر استهداف منزل مأهول في بلدة سحمر بالبقاع الغربي، فيما ظل طفل عالقًا تحت الأنقاض بانتظار انتشاله.

وأضاف أن هذه الخسائر وقعت في سياق عشرات الغارات التي استهدفت بلدات ومناطق مأهولة بالسكان في جنوب لبنان والبقاع منذ مساء الجمعة وحتى صباح السبت، بما يعكس اتساع نطاق الهجمات وخطورتها على السكان المدنيين، ويثير مخاوف جدية بشأن مدى التزام القوات الإسرائيلية بواجباتها القانونية في اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين وتجنيبهم آثار العمليات العسكرية.

وأشار الأورومتوسطي إلى توثيق عمليات إجلاء واسعة نفذتها فرق الدفاع المدني، التي تمكنت من إخراج 47 شخصًا إلى مناطق آمنة ونقل 16 قتيلًا و12 جريحً إلى المستشفيات وسط ظروف ميدانية بالغة الصعوبة. وأكد المرصد الأورومتوسطي أن هذا التصعيد العنيف تزامن مع إعلان دخول اتفاق جديد لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ عند الساعة الرابعة من عصر أمس الجمعة، بمتابعة أمريكية.

وشدد المرصد الأورومتوسطي على أن توقيت الغارات، التي نُفّذ جزء كبير منها قبيل دخول الهدنة حيز التنفيذ واستمر بعضها بعد دخوله، يضع علامات استفهام جدية حول مدى احترام إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقات وقف إطلاق النار، الأمر الذي يقوض الغاية الأساسية من هذه التفاهمات المتمثلة في حماية المدنيين ومنع التصعيد العسكري. وأضاف أن هذا السلوك يعكس نمطًا متكررًا من تكثيف الهجمات العسكرية قبيل سريان الهدن أو تمديدها، بما يفاقم الخسائر البشرية ويقوض الثقة بأي ترتيبات ترمي إلى توفير الحماية للسكان المدنيين.

استمرار الهجمات الإسرائيلية يعكس نهجًا يقوض فعليًا الغاية من اتفاقات وقف إطلاق النار ويُفرغها من مضمونها الحمائي ويُبقي المدنيين تحت تهديد دائم

وأكد المرصد الأورومتوسطي أن ما جرى لا يمثل حادثة معزولة، بل يأتي في سياق سلسلة متواصلة من الانتهاكات منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار الأول حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مرورًا بالهدنة المؤقتة التي أُعلن عنها في 16 أبريل/نيسان 2026 لمدة عشرة أيام، ووصولًا إلى تمديدها لمدة 45 يومًا إضافيًا في منتصف مايو/أيار 2026. وأوضح أن استمرار العمليات العسكرية والهجمات التي تطال المدنيين والأعيان المدنية رغم هذه التفاهمات يثير مخاوف جدية بشأن احترام الالتزامات القانونية المرتبطة بها، ويعزز الحاجة إلى تحقيقات مستقلة وفعالة لضمان المساءلة عن أي انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وأكد المرصد الأورومتوسطي أن فرقه الميدانية وثّقت، منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مئات الخروقات الإسرائيلية التي شملت غارات جوية وقصفًا مدفعيًا وعمليات قتل وإصابة استهدفت مناطق مأهولة بالسكان. وبينما تواصل إسرائيل تبرير هذه العمليات بادعاءات عامة تتعلق بوجود تهديدات أمنية، فإن القانون الدولي لا يجيز استخدام مثل هذه الذرائع لتجاوز الالتزام الدائم باحترام مبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين.

وأضاف الأورومتوسطي أن التصريحات المتكررة الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين بشأن مواصلة تنفيذ الهجمات بغض النظر عن التفاهمات القائمة تعكس نهجًا يقوض فعليًا الغاية من اتفاقات وقف إطلاق النار ويُفرغها من مضمونها الحمائي، ويُبقي السكان المدنيين تحت تهديد دائم. كما أن استمرار العمليات العسكرية والخروقات المتكررة رغم الاتفاقات المعلنة يثير تساؤلات جدية بشأن احترام إسرائيل لالتزاماتها الدولية، ويؤكد الحاجة إلى آليات رقابة ومساءلة فعالة تضمن تنفيذ هذه التفاهمات وحماية المدنيين من تبعات الأعمال العدائية المستمرة.

وأوضح المرصد الأورومتوسطي أن إصرار إسرائيل على مواصلة عمليات التوغل البري وإصدار أوامر التهجير القسري، بالتوازي مع تنفيذ حملة تدمير واسعة النطاق ومنهجية تستهدف القرى والبلدات الحدودية اللبنانية، بما في ذلك الأحياء السكنية والبنية التحتية المدنية والمرافق الحيوية، يتجاوز مقتضيات الضرورة العسكرية المشروعة، ويثير مخاوف جدية من انتهاك القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني التي تحظر التهجير القسري للسكان المدنيين والتدمير واسع النطاق للممتلكات المدنية ما لم تفرضه ضرورة عسكرية قاهرة.

وأضاف أن تسوية أحياء سكنية كاملة بالأرض وإلحاق أضرار جسيمة بالمقومات الأساسية للحياة المدنية يفضي عمليًا إلى تغيير المعالم الجغرافية والديموغرافية للمناطق المستهدفة وجعلها غير صالحة للسكن، بما يحرم السكان من حقهم في العودة الآمنة والكريمة إلى مناطقهم واستعادة مساكنهم وممتلكاتهم وسبل عيشهم. كما تعكس هذه الممارسات، في ضوء نطاقها واتساعها واستمرارها، طابعًا عقابيًا وانتقاميًا يتعارض مع الحماية الخاصة المكفولة للمدنيين أثناء النزاعات المسلحة.

ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أن اتساع نطاق العمليات العسكرية وفرض وقائع التهجير على الأرض يفاقمان بصورة خطيرة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في لبنان، حيث يواجه مئات الآلاف من النازحين ظروفًا معيشية قاسية تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الكرامة الإنسانية، في ظل تضرر البنية التحتية الأساسية وتراجع قدرة المؤسسات العامة والمنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة. وأكد أن الآثار المترتبة على هذه الانتهاكات لا تقتصر على الخسائر البشرية والمادية المباشرة، بل تمتد لتقويض جملة من الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في السكن الملائم والصحة والغذاء والتعليم والعمل، مع تحمل الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة العبء الأكبر من تداعياتها المستمرة.

وشدد على أن النمط المتكرر لهذه الهجمات، التي تستهدف بصورة متواترة مدنيين داخل منازلهم، بمن فيهم أطفال ونساء، وتتسبب في خسائر بشرية جسيمة، لا سيما عشية أو تزامنًا مع كل إعلان عن وقف لإطلاق النار، يستدعي اتخاذ تدابير عاجلة وملموسة تتجاوز بيانات الإدانة الشكلية، نحو إجراءات فعّالة تضمن حماية المدنيين، ووقف الأعمال العدائية، وتفعيل آليات المساءلة على الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني.

ودعا المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي، والدول الراعية لمسار التهدئة على وجه الخصوص، إلى ممارسة ضغط حقيقي وفعّال على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية في الأراضي اللبنانية، محذرًا من أن استمرار نمط توقيع تفاهمات تهدئة متزامنًا مع استمرار القصف على الأرض يقوّض جوهر هذه التفاهمات، ويُفرغها من مضمونها القانوني والإنساني، ويحول دون تحقيق أي استقرار مستدام في جنوب لبنان، ويُبقي حياة عشرات الآلاف من المدنيين عرضة لخطر دائم.

وأشار إلى أن الاكتفاء الدولي المتكرر ببيانات القلق والإدانة دون اتخاذ تدابير عملية رادعة أو تفعيل أدوات المساءلة الدولية، يسهم في تكريس مناخ من الإفلات المنهجي من العقاب، ويقوض فعالية منظومة القانون الدولي في حماية المدنيين وضمان عدم تكرار الانتهاكات الجسيمة.

وطالب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان المجتمع الدولي بتفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية باعتباره أحد الأدوات القانونية الأساسية لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الخطيرة، بما يضمن عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة أمام المحاكم الوطنية المختصة، انسجامًا مع الالتزامات الدولية للدول بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي العرفي.

ودعا الأورومتوسطي مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى مباشرة ولايته القضائية دون تأخير، وفقًا لنظام روما الأساسي، عبر فتح تحقيقات شاملة ومستقلة في الجرائم الدولية المرتكبة في لبنان، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولا سيما التهجير القسري للسكان المدنيين، والهجمات العشوائية أو غير المتناسبة، واستهداف الأعيان المدنية المحمية، والتدمير الواسع وغير المبرر للممتلكات والبنية التحتية المدنية.

كما دعا إلى تفعيل عمل الآليات الأممية المستقلة ذات الصلة، بما فيها لجان التحقيق وفرق تقصي الحقائق، لضمان توثيق منهجي ودقيق للانتهاكات الجسيمة، وحفظ الأدلة وفق المعايير القانونية المعتمدة، بما يتيح استخدامها لاحقًا في إجراءات المساءلة الجنائية الدولية والوطنية.

وأكد أن هذه الانتهاكات، إذا ما ثبتت على النحو الموثق، قد ترقى إلى خروقات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك مبدأ التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، ومبدأ التناسب، وواجب اتخاذ الاحتياطات الواجبة أثناء العمليات العسكرية، فضلًا عن حظر العقاب الجماعي والتهجير القسري.

وشدد على أن المساءلة الفردية الجنائية تمثل ركيزة أساسية في النظام القانوني الدولي، وأن استمرار الإفلات من العقاب يقوض السلم والأمن الدوليين، ويضعف فعالية منظومة حماية المدنيين، ويكرس نمطًا من الانتهاكات المتكررة، ما يستدعي تحركًا دوليًا عاجلًا لتفعيل أدوات العدالة الدولية وإنصاف الضحايا وضمان عدم تكرار الجرائم.

اقرأ أيضاً

الرئيسية