قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنّ تصديق البرلمان الأوروبي على التعديلات الجديدة المتعلقة بـ”لائحة العودة”، والتي تمنح السلطات التنفيذية والأمنية في الدول الأعضاء صلاحيات غير مسبوقة لتعجيل عمليات الترحيل وتأسيس مراكز احتجاز خارجية في دول ثالثة، يمثّل انهيارًا هيكليًا لمنظومة الحماية الدولية لحقوق المهاجرين وطالبي اللجوء في القارة الأوروبية، وتوجّهًا بالغ الخطورة نحو مأسسة الانتهاكات العابرة للحدود وتجريد الأفراد من ضماناتهم القانونية الأساسية، بما يفتح الباب واسعًا أمام خطر الإعادة القسرية والاحتجاز التعسفي المطوّل.
وأوضح المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي اليوم أنّ البرلمان الأوروبي أقرّ أمس الأربعاء “لائحة العودة” بأغلبية 418 صوتًا مقابل معارضة 218 وامتناع 30 عن التصويت، وهي امتداد تشريعي لميثاق اللجوء والهجرة الأوروبي الذي دخل حيز التنفيذ الكلي في 12 يونيو/ حزيران الجاري، والذي يستهدف بالأساس تشديد إدارة الحدود الأوروبية عبر تعقيد إجراءات الفرز الحدودي وتسريع معدلات الرفض، لتأتي اللائحة الجديدة كأداة تنفيذية للتخلص السريع من رعايا الدول الثالثة المقيمين بصفة غير قانونية، بذريعة تدني معدلات الترحيل الفعلية التي لم تتجاوز 30% من إجمالي قرارات الإبعاد الصادرة.
وذكر المرصد الأورومتوسطي أنّ التشريع الجديد اشتمل على بنود تعسفية تقوّض الضمانات المرتبطة بالوصول الفعال إلى الحماية الدولية، وفي مقدمتها تشريع “مراكز الإعادة الخارجية” التي تسمح بنقل المهاجرين، بمن فيهم العائلات التي تضم أطفالًا، إلى منشآت أو مراكز عبور تقع في أراضي دول ثالثة خارج حدود الاتحاد الأوروبي، إذ يخلق هذا الإجراء ولاية قضائية تثير مخاوف جدية من تقويض الرقابة القضائية الأوروبية، ويترك مصير هؤلاء الأفراد لترتيبات ثنائية مع دول قد تفتقر إلى الحد الأدنى من ضمانات حقوق الإنسان، بما يتعارض بشكل مباشر وجسيم مع مبدأ “عدم الإعادة القسرية” المنصوص عليه في اتفاقية جنيف لعام 1951، ويعرّض المرحلين لخطر حقيقي يتمثل في التعذيب أو سوء المعاملة أو الإعادة إلى بلدان يواجهون فيها خطرًا على حياتهم وحرياتهم. كما يتعارض مع المادة (19) من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي والتي تحظر إبعاد الأشخاص إلى دول يتواجد فيها خطر حقيقي بتعرضهم لعقوبة الإعدام أو التعذيب أو ما يشابه ذلك من العقوبات اللاإنسانية أو المهينة.
وبيّن المرصد الأورومتوسطي أنّ اللائحة الجديدة تؤسس لتحوّل خطير في استخدام الاحتجاز، إذ ترفع الحد الأقصى لفترة الاحتجاز الإداري للمهاجرين بانتظار الترحيل لتصل إلى 24 شهرًا، مع إمكانية تمديدها لستة أشهر إضافية وبلا حد زمني للأشخاص الذين يُعتبرون خطرًا أمنيًا، بما قد يشكل تعسفًا في استخدام الاحتجاز بصفته غاية لتقييد الحرية وليس إجراء إداريًا مؤقتًا.
وأكّد المرصد الأورومتوسطي أنّ الاحتجاز في سياق الهجرة يجب أن يكون تدبيرًا استثنائيًا يمثل الملاذ الأخير ولا يُلجأ إليه إلا لمدة وجيزة ولأسباب مشروعة، في حين أنّ تمديده لعامين كاملين يخرجه من إطاره الإداري والوقائي ليحوّله إلى أداة عقابية وسالبة للحرية بصورة منهجية ضد أفراد لم يرتكبوا أي جرائم جنائية، وهو ما يرقى إلى مصاف الاحتجاز التعسفي المحظور بموجب المادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تنص على أن “لكل فرد الحق في الحرية والأمان على شخصه”، وتحظر الحرمان من الحرية إلا لأسباب يجيزها القانون، مع ضمانات أساسية تشمل إبلاغ الشخص بأسباب احتجازه، وتمكينه من الطعن أمام محكمة مستقلة، والحصول على مراجعة قضائية دون تأخير. كما تشدد المادة نفسها على أن الاحتجاز غير المبرر أو غير الخاضع لمراجعة فعّالة يُعد تعسفيًا حتى لو استند إلى قانون وطني. وبالمثل، تحظر المادة (5) من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان حرمان الأشخاص من الحرية إلا في حالات محددة وبإجراءات قانونية صارمة، مثل الإدانة بعد محاكمة عادلة أو الاحتجاز المؤقت لغرض قانوني مشروع، مع إلزام الدولة بتوفير رقابة قضائية فورية وحق فعّال في الطعن بالتوقيف. وتؤكد اجتهادات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن أي احتجاز إداري طويل دون محاكمة أو دون إمكانية واقعية للمراجعة القضائية يفقد “شرعيته” القانونية ويُصنّف كاحتجاز تعسفي.
ولفت المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ التشريع الأوروبي الجديد يمسّ على نحو مباشر بالضمانات الإجرائية الأساسية وحق الدفاع، من خلال إلغائه للأثر الموقف للاستئناف، إذ يتيح للسلطات تنفيذ أوامر الترحيل بحق طالبي اللجوء المرفوضين حتى في حال تقديمهم طعونًا قضائية قيد النظر، مؤكّدًا أنّ فصل مسار الترحيل التنفيذي عن مسار البت القضائي يصادر الحق في الانتصاف الفعال ويفرغه من محتواه، ويجعل من الرقابة القضائية مجرد إجراء شكلي لا قيمة له على أرض الواقع.
وأوضح أنّه بناءً على ذلك قد يُرحّل الفرد ويتعرض لانتهاكات جسيمة لا يمكن جبرها قبل أن تصدر المحاكم قرارها النهائي بشأن أحقيته في الحماية، ما يعكس توجّهًا متعمدًا نحو تفضيل الاعتبارات الأمنية والسياسية على حساب مقتضيات العدالة وسيادة القانون.
وذكر المرصد الأورومتوسطي أنّ التدابير التحقيقية التي أقرّها التشريع، والتي تفرض التزامًا صارمًا على المهاجرين بالتعاون التام تحت طائلة توقيع عقوبات وتدابير احتجاز أو مراقبة إلكترونية، وتخوّل السلطات الوطنية حق تفتيش أماكن الإقامة ومصادرة الممتلكات الشخصية والأجهزة الإلكترونية لاستخراج البيانات، تمثّل تعديًا صارخًا على الحق في الخصوصية وحماية البيانات الشخصية.
وبيّن أنّ استخدام هذه الصلاحيات البوليسية الواسعة دون اشتراط وجود شبهة جنائية معيارية يعكس نمطًا من التجريم المسبق للمهاجرين وطالبي اللجوء، ويضعهم في مرتبة أدنى من الحماية القانونية، في تعارض تام مع المواثيق الحقوقية ذات الصلة، وفي مقدمتها الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي تكفل الحق في احترام الحياة الخاصة.
وأكّد المرصد الأورومتوسطي أنّ اللائحة الجديدة صُمّمت لشرعنة ممارسات الطرد التعسفي والعنف المؤسسي ضد المهاجرين، وبرهنت على أنّ صناع القرار الأوروبيين تجاهلوا مرة أخرى التحذيرات الحقوقية المتتالية بشأن ضرورة احترام المعايير الأساسية لحقوق الإنسان، والتوقف عن اللجوء إلى تشريعات وإجراءات لا تؤدي سوى إلى تعميق المعاناة الإنسانية.
وأشار إلى أنّ هذه السياسات مجتمعة تُكمل بناء ما بات يُعرف بـ”قلعة أوروبا”، حيث استبدلت دول الاتحاد الأوروبي واجباتها القانونية والأخلاقية في توفير ملاذ آمن للمهاجرين بسياسات ردع قاسية تقوم على تصدير أزمة الهجرة خارج الحدود، ونقل العبء إلى دول فقيرة أو غير مستقرة مقابل حوافز مالية أو سياسية.
ودعا المرصد الأورومتوسطي مجلس الاتحاد الأوروبي إلى الامتناع عن التصديق النهائي على “لائحة العودة”، وإعادة النظر بشكل جذري في مجمل السياسات المنبثقة عن “ميثاق اللجوء والهجرة”، بما يكفل التوافق التام مع التزامات الدول الأعضاء بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي للاجئين.
وطالب المرصد الأورومتوسطي دول الاتحاد الأوروبي بوقف أي ترتيبات أو اتفاقيات ثنائية تهدف إلى إنشاء مراكز احتجاز أو عبور خارجية في دول ثالثة، والتأكد من أنّ أي إجراءات تتعلق بالهجرة تحترم على نحو صارم مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتوفر حماية فعالة للضمانات الإجرائية، وتحظر بشكل قاطع استخدام الاحتجاز كأداة لردع المهاجرين أو معاقبتهم، مع توفير ممرات آمنة وقانونية لطالبي اللجوء للوصول إلى الحماية.
وحثّ المرصد الأورومتوسطي المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والآليات القضائية الوطنية داخل الدول الأعضاء على ممارسة دورها الرقابي بفعالية والتصدي لأي قرارات إبعاد أو احتجاز تُبنى على هذا التشريع الاستثنائي، وضمان حق كل فرد في الوصول إلى سبيل انتصاف فعال يوقف قرارات الترحيل حتى يتم البت في ملفه بشكل نهائي.
ودعا المرصد الأورومتوسطي الأمم المتحدة وآلياتها المختصة، بما في ذلك المفوضية السامية لحقوق الإنسان والمقرر الخاص المعني بحقوق المهاجرين، إلى التدخل العاجل لمساءلة الاتحاد الأوروبي عن هذه التراجعات التشريعية الخطيرة، والضغط بجدية لوقف سياسة تصدير وإسناد إدارة الهجرة لدول العالم الثالث التي تعاني من سجلات حقوقية مقلقة.
