زاوية الاخبار ٦ دقائق قراءة

الأورومتوسطي: لا يمكن فصل غرق 53 مهاجرًا وطالب لجوء قبالة ليبيا عن سياق تشديد أوروبا سياسات الهجرة

أعرب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن بالغ قلقه إزاء وفاة وفقدان عشرات المهاجرين وطالبي اللجوء إثر غرق قاربهم قبالة السواحل الليبية، في حادثة متكررة تجسّد الثمن الباهظ الذي يدفعه المضطهدون وضحايا النزاعات والفقر نتيجة سياسات إغلاق الحدود وغياب الممرات الآمنة لطلب اللجوء أو الهجرة، في ظل فرض قيود متصاعدة على جهود الإنقاذ المدنية، وتجريم التضامن الإنساني، بما يترك الأشخاص في عرض البحر بلا حماية فعّالة ويزيد احتمالات الموت والغرق.

وقال المرصد الأورومتوسطي إنّ قاربًا مطاطيًا كان يقل نحو 55 مهاجرًا من جنسيات أفريقية انطلق من سواحل مدينة الزاوية غربي ليبيا مساء الخميس 5 فبراير/شباط الجاري، ولم يبحر سوى نحو ست ساعات حتى تسرّبت المياه إليه وانقلب قبالة سواحل مدينة زوارة. ولم تعثر السلطات الليبية خلال مهمة البحث والإنقاذ التي نفذتها إلا على ناجيتين، فيما ما يزال 53 شخصًا في عداد المفقودين ويُخشى أن يكونوا قد لقوا حتفهم، بينهم رضيعان، وفق معلومات أولية أعلنتها الجهات المعنية وتداولتها مصادر محلية.

ولفت المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ تكرار حوادث الغرق قبالة سواحل المتوسط يعكس فشلًا جسيمًا في توفير حماية فعّالة في ترتيبات الحماية والإنقاذ، إذ تُدفع أعداد متزايدة من المهاجرين وطالبي اللجوء إلى الإبحار في قوارب غير صالحة وبظروف دون أي خطوات جادة لمعالجة الأسباب البنيوية التي تشكّل عاملًا رئيسيًا في تكرار هذه الحوادث.

وأشار الأورومتوسطي إلى أنه وفق بيانات مشروع “المهاجرين المفقودين” التابع للمنظمة الدولية للهجرة، شهدت مسارات الهجرة واللجوء الثلاثة المسار الغربي والوسط والشرقي في البحر الأبيض المتوسط وفاة وفقدان 1873 مهاجرًا وطالب لجوء طوال عام 2025، فيما بلغ عددهم منذ بداية عام 2026 وحتى 5 فبراير/شباط الجاري نحو 524 مفقودًا وقتيلًا، بما يعكس تصاعد الخسائر البشرية هذا العام في ظل محدودية عمليات البحث والإنقاذ الرسمية، وتزايد القيود على العمل الإنساني في البحر، وتشديد سياسات الهجرة واللجوء.

وشدّد المرصد الأورومتوسطي على أنّ هذه الحادثة لا يمكن فصلها عن السياق العام للسياسات الأوروبية التي تسهم في عسكرة المتوسط وتقليص مساحات العمل الإنساني، عبر التضييق على سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات غير الحكومية وتجريم التضامن، بالتوازي مع دعم وتمويل خفر السواحل في دول العبور غير الآمنة، مثل ليبيا، لاعتراض المهاجرين وإعادتهم قسرًا إلى مراكز احتجاز تفتقر لأدنى المعايير الإنسانية وتشهد انتهاكات جسيمة وموثقة.

ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ العديد من وقائع الغرق لا يمكن النظر إليها بوصفها حوادث عرضية أو قدرية فحسب، إذ تقع في سياق أوسع من المخاطر الناتجة عن سياسات الردع والمنع، وما يرافقها أحيانًا من ممارسات اعتراض ومطاردة في عرض البحر قد تفاقم احتمالات الغرق. وفي هذا السياق، أشار إلى حادثة وقعت في 3 فبراير شباط الجاري قبالة جزيرة “خيوس” اليونانية، قُتل على إثرها 15 مهاجرًا وطالب لجوء على الأقل وأُصيب 26 آخرون، فيما فُقد عدد آخر غير معروف.

وحول مجريات الحادثة، قال خفر السواحل اليوناني إنّ قارب المهاجرين كان يبحر دون إضاءة، وأنّه تجاهل تحذيرات سفينة الدورية بالتوقف وغيّر مساره فجأة عند اقتراب سفينة الدورية، ما أدّى إلى اصطدامها به وانقلابه، بينما قال ناجون من الحادثة إنّ القارب المطاطي الذي كانوا يستقلونه لم يغير مساره، وإنّهم لم يتلقوا أي تحذيرات مسبقة من خفر السواحل، ولم يروا سفينة الدورية إلا عندما أضاءت أضواءها قبل الاصطدام مباشرة.

وبيّن المرصد الأورومتوسطي أنّ ثمة أسبابًا معقولة للتشكيك في رواية خفر السواحل اليوناني، في ضوء تعارضها مع إفادات الناجين، وتكرار حوادث موثقة بشأن استخدام القوة المفرطة وعمليات صدّ عنيفة في البحر، ما يستدعي فتح تحقيق مستقل وشفاف لتحديد الوقائع والمسؤوليات.

وأكّد المرصد الأورومتوسطي أنّ تصاعد حوادث الغرق والصدّ العنيف في البحر الأبيض المتوسط يرتبط كذلك بالتغييرات التشريعية والسياساتية التي أقرّها الاتحاد الأوروبي مؤخرًا، بما في ذلك توسيع نطاق تطبيق مفهوم “الدولة الثالثة الآمنة” واعتماد قوائم موحّدة لبلدان منشأ مُصنّفة “آمنة”، بما قد يُضيّق من نطاق الفحص الموضوعي لطلبات الحماية ويقوّض مبدأ التقييم الفردي، ويُسهّل إحالة طالبي اللجوء إلى دول لا تتوافر فيها ضمانات حماية كافية أو صلة واقعية تبرر ترحيل طالبي اللجوء إليها.

ولفت إلى أنّ الإجراءات الأوروبية الجديدة تتعارض على نحو خطير مع الالتزامات القانونية الدولية، ولا سيما مبدأ عدم الإعادة القسرية وضمانات الفحص الفردي والطعن الفعّال في قرارات اللجوء، كما تزيد الضغط على المهاجرين وطالبي اللجوء وتجعلهم أكثر عرضة للمخاطر، بما في ذلك اضطرارهم إلى سلوك طرق بحرية أشد خطورة، وتعاظم احتمالات إحالتهم إلى ترتيبات غير آمنة أو تعريضهم لخطر الإعادة القسرية إلى بلدان قد يواجهون فيها الاضطهاد أو العنف، فضلًا عن أنها قد تُستخدم لتوفير غطاء سياسي لممارسات الصدّ العنيف والإعادة القسرية.

أوضح المرصد الأورومتوسطي أنّ ممارسات الاعتراض العنيف للمهاجرين وطالبي اللجوء في البحر المتوسط، والإعادة القسرية إلى دول يتهددهم فيها خطر الاضطهاد، وتعمّد تركهم لمواجهة مخاطر الغرق في قوارب متهالكة، تُمثل انتهاكاً صارخاً لمنظومة الالتزامات الدولية؛ وفي مقدمتها اتفاقية جنيف لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، ومبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يُعد قاعدة عرفية ملزمة. كما تتنافى هذه الممارسات مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، اللذين يكفلان الحق الأصيل في الحياة والحماية من المعاملة المهينة أو اللاإنسانية.

وشدد الأورومتوسطي على أن التخلي عن إغاثة المنكوبين يضرب بعرض الحائط قواعد القانون الدولي البحري التي توجب تقديم المساعدة الفورية في عرض البحر، ويقوض المواثيق الأوروبية التي تضمن الحق في الوصول إلى إجراءات لجوء عادلة وتقييم كل حالة بشكل فردي ومستقل.

وشدد المرصد الأورومتوسطي على أن إمعان الدول في عسكرة الحدود، وتعطيل عمل سفن الإنقاذ، وتجريم التضامن الإنساني مع المهاجرين، لا يمثل فحسب إخلالًا جسيمًا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي وقواعد حماية اللاجئين، بل يرتب مسؤولية قانونية دولية عن النتائج المتوقعة لهذه السياسات، بما في ذلك حوادث الغرق التي كان يمكن تفاديها.

ودعا المرصد الأورومتوسطي الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة فورية وشاملة للتراجعات التشريعية الأخيرة، لا سيما القوانين المتعلقة بمفهوم “الدولة الثالثة الآمنة” وقوائم البلدان المنشأ المصنفة “آمنة”، مشدداً على ضرورة توفير ممرات قانونية وآمنة كبديل حقيقي وفعال يغني طالبي اللجوء عن سلوك طرق بحرية فتاكة، بما يضمن التزام الدول بمبدأ عدم الإعادة القسرية.

كما طالب الدول المطلة على المتوسط بوقف سياسات عسكرة الحدود والامتناع عن التعطيل الممنهج لعمل سفن الإنقاذ التابعة للمنظمات غير الحكومية، مؤكداً على وجوب امتثال السلطات البحرية، لا سيما في اليونان وليبيا، لقواعد القانون الدولي البحري التي تفرض التزاماً قانونياً لا يقبل التأويل بتقديم الإغاثة الفورية وإجراء عمليات بحث وإنقاذ فعالة، بدلاً من ممارسات الصد العنيف والمطاردة التي تؤدي إلى كوارث غرق محققة.

ودعا المرصد الأورومتوسطي جميع الدول المعنية بضمان إطلاق عمليات إنقاذ وبحث رسمية وفعّالة لإغاثة جميع المهاجرين وطالبي اللجوء الذين يتعرّضون لحوادث مستمرة في البحر الأبيض المتوسط، وفتح ممرات آمنة وقانونية لتقديم طلبات اللجوء، بما يمنع إجبار الأشخاص على المخاطرة بحياتهم عبر القوارب المتهالكة، ويعزز حقهم في الحماية وفق القوانين الدولية.

كما حث الحكومات الأوروبية بوقف فوري لتمويل ودعم خفر السواحل في دول العبور، مثل ليبيا، التي تفتقر لمراكز احتجازها أدنى المعايير الإنسانية وتُشهد فيها انتهاكات جسيمة وموثقة، مشدداً على أن الاستمرار في دعم هذه الجهات قد يجعل من الدول الأوروبية شريكاً قانونياً في ممارسات الإعادة القسرية والتعذيب التي يتعرض لها المهاجرون بعد اعتراضهم وإعادتهم قسراً إلى بيئات غير آمنة.

وطالب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بفتح تحقيق دولي مستقل وشفاف في حوادث غرق قوارب المهاجرين وطالبي اللجوء، وعمليات الصد والاعتراض العنيفة في البحر المتوسط، وتحديد المسؤولين عنها، بما في ذلك الدول التي تنفّذ أو تموّل عمليات اعتراض بالقوة، لضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وحماية حقوق الإنسان للمهاجرين وطالبي اللجوء.

اقرأ أيضاً

الرئيسية