زاوية الاخبار ٧ دقائق قراءة

الأورومتوسطي يطالب بفتح تحقيق مستقل وفعّال في وفاة محتجز في سوريا

جنيف – أعرب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ إزاء وفاة الشاب “أحمد العيادة الدايح” داخل أحد مراكز الاحتجاز التابعة لمديرية الأمن الداخلي في محافظة دير الزور شرقي سوريا، في ظل معطيات قد تشير إلى تعرّضه للتعذيب وسوء المعاملة خلال فترة توقيفه، بما يجعل وفاته أثناء الاحتجاز وفاة مشبوهة تستوجب تحقيقًا عاجلًا ومستقلًا ومحايدًا وشفافًا وفعالًا، يحدد ملابساتها ومسؤولية كل من يثبت تورطه أو تقصيره، ونشر نتائجه للرأي العام، ويضمن محاسبة المسؤولين عنها ضمن إجراءات قضائية عادلة.

وقال المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي صباح اليوم الإثنين إنّ دورية لقوى الأمن الداخلي اعتقلت “الدايح” من منزله في بلدة “الهرموشية” بريف دير الزور الغربي في الفترة الواقعة بين 19 و24 مارس/آذار الماضي، واقتادته إلى أحد مراكز الاحتجاز دون إبراز مذكرة قضائية أو إبلاغه بأسباب توقيفه أو توجيه تهمة محددة إليه، واحتجزته خارج نطاق الضمانات القانونية الأساسية، قبل أن يُسلَّم جثمانه إلى عائلته بعد نحو شهر من توقيفه، في ظروف تثير شبهة قوية بوفاة غير طبيعية أثناء الاحتجاز، ومخاوف جدية من تعرضه للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة، ومن محاولة حجب ملابسات وفاته أو طمس أدلة محتملة عليها بدل إخضاعها لتحقيق عاجل ومستقل ومحايد وشفاف وفعّال.

وذكر المرصد الأورومتوسطي أنّه وفقًا لمصادر محلية، أُبلغ ذوو “الدايح” بوفاته في 21 أبريل/نيسان، رغم ترجيحات بحدوث الوفاة بعد نحو يومين فقط من توقيفه، فيما أُبقي جثمانه في ثلاجة لحفظ الجثث طوال تلك المدة، في ظروف تثير شبهات خطيرة بشأن تعمّد حجب خبر وفاته وتأخير تسليم جثمانه لعائلته، بما قد يقوّض فرص التحقق المستقل من سبب الوفاة، ويزيد المخاوف من إخفاء أدلة محتملة على التعذيب أو سوء المعاملة، فضلًا عن انتهاك حق عائلته في معرفة الحقيقة دون تأخير.

تكرار الوفيات أثناء الاحتجاز، من دون شفافية أو مساءلة، يشكّل مؤشرًا بالغ الخطورة على استمرار ممارسات تنتهك الحق في الحياة وحظر التعذيب وسوء المعاملة، ويهدد بإعادة إنتاج أنماط الإفلات من العقاب التي طبعت عمل أجهزة الاحتجاز في سوريا لسنوات طويلة
وبيّن المرصد الأورومتوسطي أنّ مراجعة الصور التي التُقطت لجثمان “الدايح” عقب تسليمه لعائلته تُظهر وجود كدمات وتجمعات دموية ظاهرة في أنحاء متفرقة من جسده، بما يثير مخاوف جدية من احتمال تعرّضه للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة أثناء احتجازه، مؤكدًا أنّ حسم طبيعة هذه العلامات وأسبابها، وما إذا كانت ناجمة عن إصابات تعرّض لها قبل وفاته أو عن عوامل لاحقة مرتبطة بحفظ الجثمان، لا يمكن أن يستند إلى رواية أمنية أو تقرير غير منشور، بل يتطلب فحصًا طبيًا شرعيًا مستقلًا وموثوقًا، ضمن تحقيق عاجل ومستقل ومحايد وفعال يحدد سبب الوفاة ويحفظ الأدلة ويضمن محاسبة المسؤولين.

وأشار الأورومتوسطي إلى أنّه تابع تصريحات منسوبة إلى مصادر أمنية سورية زعمت فيها أنّ “الدايح” توفي نتيجة “سكتة قلبية” عقب توقيفه على خلفية اتهامات ذات طابع أمني، غير أنّ هذه الرواية تظل قاصرة وغير كافية في ظل غياب تقرير طبّي شرعي مستقل ومنشور يفسّر سبب الوفاة، وطبيعة الكدمات والتجمعات الدموية الظاهرة على الجثمان، وأسباب التأخير في إبلاغ عائلته وتسليمه إليها، مشددًا على أنّ الوفاة أثناء الاحتجاز، ولا سيما عندما تقترن بعلامات ظاهرة على الجثمان وتأخير في تسليمه، تفرض على السلطات واجب تقديم رواية كاملة وموثقة وقابلة للتحقق، لا الاكتفاء بتصريحات عامة لا تفسّر سبب الوفاة أو ملابساتها، بما يستوجب تحقيقًا جديًا يكشف الحقيقة.

ونبّه إلى أنّ طبيعة الاتهامات الموجهة إلى “الدايح”، سواء تعلّقت بملفات أمنية أو بالانتماء إلى النظام السابق أو بأي ارتباطات أخرى، لا أثر لها على تمتعه بالحماية المطلقة من التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، ولا على حقه في الضمانات الأساسية الواجبة لكل شخص محروم من حريته، مشددًا على أنّ هذه الحماية لا تُعلّق ولا تُقيّد ولا تسقط تحت أي ظرف، وأنّ الاعتبارات الأمنية أو السياسية لا تمنح سلطات إنفاذ القانون أي هامش للخروج عن واجباتها في احترام الكرامة الإنسانية، وضمان السلامة الجسدية والنفسية للمحتجز، وتمكينه من حقوقه الإجرائية الأساسية، ومساءلة كل من يتورط في تعذيبه أو إساءة معاملته أو التسبب في وفاته.

وبيّن المرصد الأورومتوسطي أنّ حادثة “الدايح” لا تبدو واقعة معزولة، إذ وثّقت تقارير مستقلة وفاة خمسة أشخاص على الأقل منذ بداية العام الحالي داخل السجون ومراكز الاحتجاز في سوريا، في ظل غياب تفسيرات رسمية كافية وموثوقة، ودون الإعلان عن تحقيقات جدية تكشف أسباب الوفاة وتحدد المسؤوليات.

وشدّد على أنّ تكرار الوفيات أثناء الاحتجاز، من دون شفافية أو مساءلة، يشكّل مؤشرًا بالغ الخطورة على استمرار ممارسات تنتهك الحق في الحياة وحظر التعذيب وسوء المعاملة، ويهدد بإعادة إنتاج أنماط الإفلات من العقاب التي طبعت عمل أجهزة الاحتجاز في سوريا لسنوات طويلة، مؤكدًا أنّ أي مسار انتقالي حقيقي يجب أن يقوم على إخضاع أجهزة الأمن ومراكز الاحتجاز لرقابة قانونية وقضائية فعلية، وضمان حماية كل شخص محروم من حريته، بما في ذلك حقه في الحياة والكرامة والسلامة الجسدية والنفسية، وتمكينه من الضمانات الأساسية المكفولة بموجب القانون والإعلان الدستوري الجديد.

وأكّد أنّ المادة (18) من الإعلان الدستوري تُكرّس حماية صريحة لكرامة الإنسان وحرمة الجسد، وتحظر التعذيب والاختفاء القسري دون استثناء، مع التأكيد على عدم سقوط جرائم التعذيب بالتقادم، واشتراط الرقابة القضائية على أي تقييد للحرية، ما يرتّب على السلطات التزامًا قانونيًا مباشرًا بضمان سلامة المحتجزين، ويجعل أي إخلال بهذه الضمانات، لا سيما في حالات الوفاة أثناء الاحتجاز، محل مساءلة قانونية.

ولفت المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ غياب الشفافية في مثل هذه الحوادث، وامتناع السلطات عن إجراء تحقيقات مستقلة وفعّالة في وفيات المحتجزين، من شأنه أن يقوّض الثقة العامة بالإجراءات القانونية، ويكرّس الإفلات من المساءلة، مؤكدًا أنّ ذلك يتعارض مع الالتزامات المقررة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما واجب الدولة في إجراء تحقيق فوري وجاد وفعّال في أي وفاة تقع أثناء الاحتجاز أو في ظروف تكون فيها الضحية تحت سيطرة السلطات، بما يضمن تحديد سبب الوفاة وملابساتها، وكشف المسؤوليات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه أو تقصيره.

ودعا المرصد الأورومتوسطي الحكومة السورية إلى فتح تحقيق فوري وجاد ومستقل في ملابسات وفاة “أحمد العيادة الدايح” أثناء احتجازه، على أن يشمل جميع مراحل توقيفه ونقله واحتجازه والظروف التي سبقت وفاته وأعقبتها، بما في ذلك أسباب التأخر في إبلاغ عائلته وتسليم جثمانه، وأن يضمن التحقيق الوصول الكامل إلى سجلات الاحتجاز والسجلات الطبية وأي تسجيلات مراقبة أو إفادات للعاملين في مركز الاحتجاز، وحفظ جميع الأدلة ذات الصلة، ونشر نتائجه الأساسية للرأي العام بما لا يمس سلامة الإجراءات أو حقوق العائلة.

وطالب المرصد الأورومتوسطي الحكومة السورية بضمان مساءلة كل من يثبت تورطه أو مسؤوليته، سواء بالفعل أو الأمر أو التستر أو الإهمال، عن أي انتهاك تعرّض له “الدايح”، بما في ذلك التوقيف التعسفي، والحرمان من الضمانات القانونية الأساسية، والتعذيب أو سوء المعاملة، أو إخفاء معلومات تتعلق بوفاته أو تأخير إبلاغ عائلته بها، على أن تتم أي ملاحقات ضمن إجراءات قضائية عادلة ومستقلة.

كما دعا إلى اتخاذ تدابير عاجلة لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث، من خلال إخضاع جميع السجون ومراكز التوقيف والاحتجاز لرقابة قضائية ومؤسسية منتظمة وفعالة، وتمكين جهات رقابية مستقلة من زيارة أماكن الاحتجاز دون عوائق، والتحقق من أوضاع المحتجزين، وتلقي الشكاوى بسرية وأمان، وضمان عدم تعرّض المشتكين أو عائلاتهم أو الشهود لأي شكل من أشكال الانتقام أو الترهيب.

وحثّ المرصد الحكومة السورية على ضمان تمتع جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم بالضمانات الأساسية منذ لحظة التوقيف، بما في ذلك إبلاغهم الفوري بأسباب توقيفهم، وتمكينهم من الاتصال بمحامٍ وبعائلاتهم، وعرضهم سريعًا على جهة قضائية مختصة، وتسجيل أماكن احتجازهم وحالتهم الصحية بشكل رسمي قابل للتحقق، ومنع احتجاز أي شخص في أماكن غير معترف بها أو بمعزل عن الرقابة القضائية والقانونية.

وأكد ضرورة تبني سياسة معلنة وصارمة بعدم التسامح مع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، بما يشمل إصدار تعليمات واضحة وملزمة لجميع الأجهزة الأمنية وجهات إنفاذ القانون، وتعليق كل من يشتبه بمسؤوليته عن التعذيب أو سوء المعاملة أو الوفاة أثناء الاحتجاز عن مهامه إلى حين انتهاء التحقيق، وضمان تدريب عناصر إنفاذ القانون على المعايير القانونية الملزمة في التعامل مع المحتجزين.

ودعا المرصد الأورومتوسطي كذلك إلى تمكين عائلات المحتجزين من معرفة أماكن وجودهم وأوضاعهم القانونية والصحية دون تأخير، وضمان إبلاغ ذوي أي محتجز فورًا بأي تدهور خطير في حالته الصحية أو وفاته، وتسليم الجثمان دون مماطلة غير مبررة، مع ضمان تحقيق جدّي في سبب الوفاة وظروفها، وتمكين العائلة من متابعة مجرياته والاطلاع على نتائجه الأساسية، احترامًا لحقها في الحقيقة والكرامة والإنصاف.

اقرأ أيضاً

الرئيسية