تواصل الأوضاع الإنسانية في السودان الانحدار إلى مستويات خطيرة، وسط تصاعد أعمال العنف والنزوح الواسع، إضافة إلى التحديات المناخية المتمثلة في الأمطار الغزيرة والفيضانات، التي تزيد من معاناة ملايين المدنيين العالقين في صراع دموي مستمر منذ أكثر من عامين.
وأعرب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن قلقه البالغ إزاء تصاعد حدة الأعمال العدائية في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، والتي كانت منذ أكثر من عام تحت حصار خانق.
ووفق تقارير ميدانية، دخلت أعداد كبيرة من مقاتلي قوات الدعم السريع إلى المدينة يوم الجمعة الماضي، ما أثار مخاوف من اندلاع موجة جديدة من العنف في منطقة شهدت مرارا موجات من الهجمات والاشتباكات الدامية.
وأشارت مصادر محلية إلى وقوع إصابات في صفوف المدنيين جراء القتال العنيف الذي تركز في جنوب غرب وشرق الفاشر خلال الأيام الأخيرة.
وأكدت أوتشا أن الوضع في المدينة لا يزال متقلبا للغاية، مع مخاطر عالية بحدوث مزيد من أعمال العنف، وهو ما قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة ويعرقل العمليات الإنسانية التي تعمل بالفعل تحت ضغط هائل.
وفي ولاية شمال كردفان، أدت موجة جديدة من العنف إلى نزوح حوالي 3,400 شخص خلال عطلة نهاية الأسبوع، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة. وأسفرت الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن 18 مدنيًا وإحراق عدد من المنازل في قرى متعددة، ما يعمق حالة الهشاشة الأمنية والإنسانية في المنطقة.
وحذّر مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية جميع الأطراف المتحاربة من أن الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية محظورة بموجب القانون الإنساني الدولي، مطالبا بحماية المدنيين في جميع الأوقات وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
الأمطار تزيد المعاناة
في موازاة التصعيد العسكري، زادت الأمطار الغزيرة التي هطلت مؤخرًا في ولايتي غرب ووسط دارفور من تعقيد الوضع الإنساني، إذ أثرت على حالة الطرق وأعاقت وصول المساعدات إلى بعض المناطق المنكوبة.
ومع استمرار موسم الأمطار حتى أكتوبر المقبل، يتزايد خطر الفيضانات وانتشار الأمراض، إضافة إلى ارتفاع مستوى انعدام الأمن الغذائي، خاصة في موسم العجاف، الذي تتراجع فيه مخزونات الغذاء إلى أدنى مستوياتها.
ورغم هذه الظروف القاسية، ظهرت مؤشرات محدودة على تحسن طفيف في ولاية غرب دارفور، حيث بدأت بعض العائلات النازحة من تشاد بالعودة إلى مناطقها الأصلية مثل سربا وجبل مون وكلبس، بهدف زراعة أراضيها قبل بداية موسم الأمطار بشكل كامل.
وتشير السلطات المحلية إلى عودة حوالي 40 شخصًا يوميا إلى منطقة كلبس، مع تسجيل عودة 300 شخص خلال الأسبوع الماضي، في خطوة اعتبرها المراقبون محفوفة بالمخاطر بسبب استمرار هشاشة الوضع الأمني.
أكثر من نصف السكان في حاجة ماسة
ووفق أحدث بيانات الأمم المتحدة، يحتاج حوالي 30 مليون شخص في السودان – أي أكثر من نصف سكان البلاد – إلى مساعدات إنسانية عاجلة وحماية هذا العام، في وقت لا تزال فيه موارد الاستجابة الإنسانية دون مستوى الاحتياجات الهائل.
ودعت الأمم المتحدة جميع الأطراف في السودان إلى السماح بوصول آمن وغير مقيد للمساعدات الإنسانية إلى كافة المناطق المتضررة، محذرة من أن استمرار القتال والتحديات المناخية قد يقود إلى كارثة إنسانية أوسع نطاقًا.
كما حثت المجتمع الدولي والجهات المانحة على تكثيف الدعم العاجل للسودان لتجنب المزيد من الخسائر البشرية والانهيار التام للنظام الإنساني في البلاد.
في ظل هذا المشهد القاتم، يبقى المدنيون السودانيون عالقين بين مطرقة العنف وسندان الأزمات المناخية، فيما تبدو الاستجابة الإنسانية في سباق مع الزمن لإنقاذ الأرواح ومنع المجاعة والأمراض من حصد المزيد من الضحايا.
