حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من أنّ توجيهات ملك البحرين “حمد بن عيسى آل خليفة” للجهات التنفيذية باتخاذ إجراءات “شاملة وحاسمة” والنظر في سحب الجنسية من المواطنين، تمثّل مؤشرًا مقلقًا على تصعيد التدابير القمعية تحت غطاء مواجهة تداعيات الحرب، وهو ما ينذر بإمكانية توظيف هذه الإجراءات على نحو تعسفي أو انتقامي، بما قد يُفضي إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
وقال المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي اليوم الثلاثاء إنّه تابع بقلق توجيهات ملك البحرين “حمد بن عيسى آل خليفة” التي نشرتها وكالة الأنباء الرسمية البحرينية، لاسيما المتعلقة بالبدء الفوري باتخاذ إجراءات تجاه “من سوّلت له نفسه خيانة الوطن أو المساس بأمنه واستقراره”، إذ إنّ استخدام هذه المصطلحات الفضفاضة والمطاطة قد يمنح الأجهزة الأمنية والتنفيذية تفويضًا واسعًا لاستهداف النشطاء السياسيين والمعارضين السلميين، وصولًا إلى استخدام الحرمان التعسفي من الجنسية كأداة للعقاب والانتقام السياسي.
وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ التوجيهات الجديدة تمثّل امتدادًا للسياسة الأمنية الصارمة التي تنتهجها السلطات البحرينية، لا سيما مع تصاعد حدة التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب على إيران، إذ عمدت السلطات إلى فرض إجراءات تعسفية بحجة “حماية الجبهة الداخلية”، وهو ما يعكس استراتيجية واضحة لتوظيف الأزمات في تقويض الحقوق والحريات الأساسية.
التوجّه نحو إعادة النظر في استحقاق الجنسية أو استخدامها كأداة عقابية في سياق اتهامات فضفاضة مثل “خيانة الوطن” أو “المساس بالأمن”، يثير مخاوف جدية من تكريس نمط من الحرمان التعسفي من الجنسية
وبيّن أنّ التوجيهات الملكية تأتي في إطار دعم وتعزيز النهج الأمني الصارم الذي تجسّد فعليًا في حملة القمع الواسعة التي نفّذتها السلطات خلال شهر مارس/ آذار الماضي، إذ اعتقلت أكثر من 200 شخص -بينهم نساء وقاصرون- على خلفية التعبير عن آرائهم ومواقفهم من الحرب على إيران، إلى جانب وفاة المواطن “السيد محمد الموسوي” داخل أحد مراكز الاحتجاز في ملابسات تثير شبهات جدية بتعرضه للتعذيب الوحشي.
ولفت إلى أنّ التوجّه نحو إعادة النظر في استحقاق الجنسية أو استخدامها كأداة عقابية في سياق اتهامات فضفاضة مثل “خيانة الوطن” أو “المساس بالأمن”، يثير مخاوف جدية من تكريس نمط من الحرمان التعسفي من الجنسية، وهو ما يشكّل انتهاكًا خطيرًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، التي تؤكد الطبيعة غير التعسفية وغير العقابية للجنسية، وتحظر استخدامها كوسيلة للانتقام السياسي أو الضغط على الأفراد بسبب آرائهم أو انتماءاتهم.
وذكر أنّ البحرين تمتلك سجلًا بالغ السوء في تجريد المواطنين من حقهم في المواطنة، إذ نفّذت، عقب الاحتجاجات الشعبية عام 2011، حملات ممنهجة لسحب الجنسية، بلغت ذروتها بين عامي 2012 و2019 بتجريد نحو 990 مواطنًا من جنسيتهم، بمن فيهم نشطاء ومعارضون سياسيون ومدافعون عن حقوق الإنسان. وفي هذا السياق، فإن التوجيهات الأخيرة المتعلقة بـ”النظر في استحقاق المواطنة” قد تمهّد لإعادة تفعيل واحدة من أخطر أدوات العزل والعقاب الجماعي، المتمثلة في الحرمان التعسفي من الجنسية، على نحو يتسم بالتعسف وغياب المبررات القانونية الواضحة.
ونبّه إلى أنّ سحب الجنسية يُعدّ من أخطر أشكال العقوبات ذات الأثر الممتد، ولا سيما عندما يُستخدم خارج إطار قضائي مستقل وضمن إجراءات تفتقر للضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، إذ لا يمسّ الوضع القانوني للفرد فقط، بل ينعكس مباشرة على تمتّعه بمجموعة واسعة من الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الإقامة، والعمل، والتعليم، والرعاية الصحية، والحماية القانونية، وقد يفضي في بعض الحالات إلى خلق وضع من انعدام الجنسية، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة تطال كذلك الأسرة والمعالين وتهدد استقرارهم القانوني والاجتماعي.
وأكّد المرصد الأورومتوسطي أنّ سحب الجنسية لا ينبغي أن يطبّق إلّا في أضيق الحدود وبموجب قانون واضح ومحدد، وضمن ضمانات صارمة للمحاكمة العادلة وقرار قضائي مستقل قابل للطعن، مشدّدًا على أنّ المعايير الدولية، بما في ذلك مبادئ عدم التعسف في الحرمان من الجنسية، تحظر استخدام هذا الإجراء كعقوبة ذات طابع سياسي أو انتقامي، أو على أسس فضفاضة دون تعريف دقيق أو أدلة كافية.
وأوضح أنّ الحق في الجنسية حق إنساني أصيل غير قابل للتصرف، ومكفول صراحةً بموجب المادة (15) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تحظر بشكل قاطع الحرمان التعسفي من الجنسية، مُحذّرًا من أنّ أي حرمان تعسفي من الجنسية يترتب عليه انتهاك لالتزامات الدولة بموجب القانون الدولي، بما في ذلك التسبب في انعدام الجنسية، وتقويض التمتع الفعلي بمجموعة واسعة من الحقوق الأساسية المرتبطة بالوضع القانوني للفرد ووجوده المدني داخل الدولة.
ودعا المرصد الأورومتوسطي السلطات البحرينية إلى التراجع الفوري عن أي توجه نحو استخدام سحب الجنسية على نحو تعسفي، ووقف أي إجراءات أو توجيهات قد تمهّد للحرمان التعسفي من الجنسية، وضمان عدم استخدام مفاهيم فضفاضة لتقييد الحقوق الأساسية أو استهداف الأفراد على خلفية آرائهم أو مواقفهم السلمية، مذكّرًا السلطات بضرورة الامتثال لتعهداتها بموجب المعاهدات والمواثيق الدولية ذات العلاقة، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وحثّ المرصد الأورومتوسطي المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة وآلياتها المختصة على مراقبة سلوك السلطات البحرينية، وممارسة ضغط فعّال عليها لضمان امتثالها لمعايير القانون الدولي لحقوق الإنسان، ووقف أي ممارسات من شأنها تقويض الحق في الجنسية أو توسيع نطاق الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاز أو القيود ذات الطابع الأمني، وربط أي تعاون سياسي أو أمني معها بمدى احترامها لالتزاماتها الحقوقية الدولية.
