منذ بداية الحرب في السودان قبل 530 يومًا، عانت البلاد من مآسي كثيرة أدت إلى نزوح الملايين وظهور أزمات إنسانية متفاقمة.
في 15 أبريل 2023، تصاعدت النزاعات بين الجنرال عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية، ومحمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد قوات الدعم السريع لم تمضِ أيام حتى تحولت تلك الاتهامات إلى حرب طاحنة.
في خضم هذه الأزمات، تبرز قصة تانزيل، فنانة شابة من الفاشر، دارفور، كمثال للقدرة على الصمود والبقاء من خلال الإبداع الفني.
عندما انطلقت الثورة، لم تستطع تانزيل المشاركة بشكل مباشر بسبب مخاوف عائلتها من القمع، ولكنها ساهمت بطرقها الخاصة من خلال تصميم الملصقات والمطبوعات لدعم المتظاهرين، وتصف تانزيل تلك اللحظات قائلة: “كان الفن هو الصوت الذي لم أستطع أن أكونه في الشوارع.”
ومع تفاقم الأوضاع نتيجة الحرب، عانت تانزيل وعائلتها من القصف والتهجير، لكنها استمرت في استخدام الفن كوسيلة للشفاء والبقاء، وتضيف :” عملت مع مجموعة من الشباب ضمن مشروع “القوة من الشدائد”، حيث استخدمت الفن والموسيقى لتعزيز روح الأمل في مجتمعهم، مجددًا، أنقذني الفن، وجعلني أساهم في لمّ شمل الناس حول الأمل.
في نهاية 2018، انتقلت إلى الخرطوم لمتابعة دراساتي العليا، كانت الثورة منتشرة، والفن كان جزءًا منها، انضممت إلى مجموعة من الفنانين وأصبحنا نرسم جداريات تخلد ذكرى الشهداء وتعبر عن الثورة والسلام،شعرت أنني أعيش من جديد، وبدأت آمل في تحقيق أهداف الثورة.
وتابعت:” أسست مجموعة فنية للنساء، وبدأنا تدريب الفنانات في دارفور، حصلنا على جائزة الإبداع من منظمة ثقافة المقاومة”.
وتتابع:” كان الوضع مؤلمًا وصادمًا، لم نكن نصدق ما يحدث، وكنا نأمل في أن تنتهي الحرب قريبًا، لكن الأوضاع تفاقمت وتحولت إلى كابوس مستمر، رغم كل ذلك، ما زال هناك صمود ورغبة في البقاء على قيد الحياة.
تعود تانزيل بذاكرتها إلى أيام طفولتها، حيث اكتشفت شغفها بالفن في المدرسة الثانوية، ورغم محاولات عائلتها توجيهها نحو دراسة الصحة العامة، إلا أنها وجدت ملاذًا في الفن، مما أتاح لها التعبير عن أفكارها وآلامها بعد تخرجها، عادت إلى مدينتها الفاشر، حيث كانت الأحداث تتسارع في ظل الثورة السودانية.
وأضافت:”كنت طفلة انطوائية، وجدت ملجأ في الرسم في المدرسة الثانوية عندما لاحظت معلمتي موهبتي، أردت دراسة الفنون، لكن عائلتي رفضت، فقد اختاروا لي دراسة الصحة العامة لأنها تؤمن لي وظيفة مستقرة. قبلت بذلك لأني لم أكن أعرف كيف أتمرد.
انتقلت إلى الخرطوم مع عائلتي، وبدأت الدراسة، شعرت بالضياع ولم أكن أستمتع بالدراسة، لذا، بدأت في حضور تجمعات الفنانين وانضممت إلى مجموعة من الفنانين السودانيين.
بينما كانت تهرب من الفاشر إلى بورتسودان، ثم إلى أوغندا، استمرت تانزيل في استخدام موهبتها، لقد وجدت فرصة للعمل كفنانة جرافيتي، حيث تمكنت من دعم نفسها وعائلتها ماليًا ومساعدة شقيقتها على الحصول على تعليم جيد.
قصة تانزيل تذكرنا بأن الفن ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل هو أداة للحياة والبقاء في أحلك الظروف، استطاعت تانزيل أن تحول آلامها إلى أمل من خلال إبداعها. هذه القصة هي تذكير بقوة الإرادة الإنسانية وقدرة الأفراد على تجاوز التحديات من خلال الإبداع والتعاون.
إن قصتها تجسد كيفية استخدام الفن للتغلب على الظلام، مما يجعلنا ندرك أن الأمل يمكن أن يتجدد دائمًا في قلوب الذين يواصلون النضال من أجل الحياة.
