يكشف تحليل صور الأقمار الصناعية والبيانات الجغرافية عن تحولات رقمية واسعة في الجنوب اللبناني، مع ترسيخ ما يعرف بالخط الأصفر كحزام أمني يمتد شمال الخط الأزرق بعمق يتراوح بين 1.2 و12 كيلومترا، ما يضع مساحات كبيرة من الأراضي اللبنانية ضمن نطاق عزل ميداني فعلي.
يمتد هذا الحزام على مساحة تقدر بنحو 568 كيلومترا مربعا، ويشمل 85 بلدة ومنطقة حدودية موزعة على ستة أقضية، بواقع 25 بلدة في مرجعيون، 23 في بنت جبيل، 19 في صور، 11 في حاصبيا، 6 في النبطية، وبلدة واحدة في راشيا. هذا الامتداد الجغرافي يعكس نطاقا واسعا من العزل يطال كتلة سكانية كبيرة ويحد من إمكانية عودة السكان إلى مناطقهم.
أرقام الدمار تكشف نمطا منهجيا
تظهر المقارنات الزمنية لصور الأقمار الصناعية خلال الفترة بين فبراير وأبريل 2026 تسارعا في وتيرة التدمير. في الناقورة وحدها، جرى تدمير أكثر من 100 مبنى بشكل كلي، مع تسجيل أضرار إضافية في البنية التحتية والمرافق الحيوية.
في الخيام، وثقت البيانات أكثر من 25 غارة جوية خلال أسابيع قليلة، ما أدى إلى اختفاء أحياء سكنية كاملة وتحولها إلى مساحات خالية. أما في بنت جبيل، فقد شمل التدمير مدارس ومرافق دينية ومنشآت حكومية، إلى جانب أضرار في البنية الرياضية والخدماتية.
في عيتا الشعب، أظهرت الصور تدمير مساحات واسعة من النسيج العمراني، بما في ذلك منازل، مسجد، مدرسة، مبنى بلدي، ومقبرة، إضافة إلى تضرر طرق رئيسية تربط البلدة بمحيطها. وتشير هذه المعطيات إلى توسع الاستهداف ليشمل البنية المدنية بشكل شامل.
فجوات زمنية قصيرة ودمار واسع
تكشف الفجوات الزمنية القصيرة بين صور 21 فبراير و16 أو 18 أبريل 2026 عن تغيرات جذرية في المشهد العمراني خلال أقل من شهرين. في دير سريان، جرى تسوية مبان حكومية ودينية وتجريف طرق وحقول، رغم وقوع البلدة على بعد نحو 6 كيلومترات من الحدود.
في رشاف، أظهرت صور 16 أبريل فجوة تدميرية واسعة طالت رقعا سكنية كاملة، مع تغيير واضح في معالم البلدة. وفي مجدل زون، بين 24 فبراير و16 أبريل، تعرضت أحياء كاملة لتدمير يتراوح بين الشديد والكلي.
استهداف البنية الدينية والأممية
تشير البيانات إلى استهداف مواقع ذات رمزية خاصة، حيث تضررت كنيسة القديس يوسف المشيدة عام 1927 في القوزح، إلى جانب تسجيل أضرار في مواقع تابعة لقوة اليونيفيل. كما وثقت إصابة ثلاثة من جنود حفظ السلام في مارس 2026 داخل إحدى القواعد.
يمتد هذا النمط إلى الناقورة، حيث طالت الأضرار مقرا أمميا ومرفأ الصيادين، ما يعكس توسع نطاق التأثير ليشمل مرافق دولية ومدنية حساسة.
تدمير البنية اللوجستية بالأرقام
في 25 أبريل 2026، أظهرت صور الأقمار الصناعية تدمير أربعة جسور رئيسية فوق نهر الليطاني هي جسر الدلافة، القاسمية، القنطرة، وزرارية طيرفلسيه. يمثل هذا التدمير ضربة مباشرة لشبكة النقل، ويعزز عزل المنطقة عن عمقها الجغرافي.
يرتبط هذا الاستهداف بتدمير القرى الحدودية، ما يشكل نمطا متكاملا لعزل جغرافي يعتمد على قطع الطرق وتفريغ المناطق من سكانها.
مؤشرات ميدانية على إعادة تشكيل الحدود
يمتد الخط الأصفر من حاصبيا شرقا حتى إسكندرونة غربا، مارا بمنعطف نهر الليطاني، في مسار يعكس إعادة رسم غير معلنة للواقع الحدودي. هذا الامتداد، مقترنا بالأرقام المرتبطة بالدمار وعدد البلدات المتأثرة، يشير إلى عملية إعادة تشكيل جغرافية واسعة تتجاوز الطابع العسكري المؤقت.
تعكس هذه المؤشرات أن الحزام العازل لم يعد مجرد إجراء أمني، بل أصبح واقعا ميدانيا قائما بالأرقام، يعيد تعريف العلاقة بين السكان والأرض، ويحوّل عشرات البلدات إلى مناطق مقيدة ضمن نطاق جغرافي مغلق.
