زاوية الاخبار دقيقتا قراءة

السودان: أورشي تحترق وآلاف الأسر تنام على التراب بلا ماء ولا غذاء

لم تحمل ثريا مختار من منزلها في أورشي سوى أطفالها الخائفين وذكريات لن تعود. المرأة الخمسينية التي أمضت عقوداً تبني حياتها في غرب السودان، باتت تجلس تحت شجرة وحيدة في مخيم أردمي بشرق تشاد، لا تملك جواباً على سؤال أطفالها الذي يتكرر كل صباح: متى نرجع إلى البيت؟ هي واحدة من آلاف النساء اللواتي حوّلتهن قوات الدعم السريع، في لحظة واحدة، من ربّات بيوت إلى نازحات تحت العراء.

هجوم وعشر قرى في رماد

في الخامس عشر من يونيو 2026، شنّت قوات الدعم السريع هجوماً مباغتاً على منطقة أورشي بمحلية أمبرو، بآليات عسكرية وفرسان على الأحصنة والجمال. لم تمضِ ساعات حتى كانت عشر قرى قد أُحرقت بالكامل، ونُهب سوق أورشي وأُضرم فيه النار، وسُرقت الماشية والممتلكات. ودمّر المهاجمون خزان المياه الوحيد الذي كان يرتوي منه السكان، ليتركوا خلفهم أرضاً محترقة وآلاف الأسر بلا مأوى.

أسبوع في العراء

بعد أسبوع كامل على الهجوم، لا تزال آلاف الأسر النازحة تفترش تراب الوديان والغابات. يتدثّر بعضهم بأغصان الشجر اليابسة، فيما لا يجد آخرون حتى هذا.
تقول حواء آدم (35 عاماً) للجزيرة نت إنها وأسرتها أكلوا أوراق الشجر وشربوا من مياه ملوثة في الحفر خلال رحلة الفرار. “الطعام شبه معدوم، ما تبقى من مؤن نهبته القوات أو احترق في المنازل.”

وتروي أم إبراهيم (40 عاماً) بحرقة: “أطفالي لم يأكلوا منذ يومين، يبكون وأنا لا أملك ما أقدمه لهم. مصدر رزقنا احترق مع منزلنا.”

أرقام تكشف الكارثة

يرصد مصطفى بره، رئيس هيئة ضحايا الإبادة الجماعية بدارفور، تدفقاً يومياً لا يهدأ على مخيمات شرق تشاد، إذ تصل بين 70 و80 أسرة فارّة كل يوم، “معظمهم نساء وأطفال، يصلون منهكين، بعضهم يحملون أطفالهم المرضى على أكتافهم.”

أما غرفة طوارئ الطينة، فقد استقبلت خلال يومين فحسب أكثر من سبعة آلاف أسرة نازحة من أورشي وهامي ووادي باساو وإدار. يقول مسؤول إعلامها محمد صافي: “الأعداد كبيرة والإمكانيات محدودة جداً. الوضع يتطلب تدخلاً عاجلاً.”

الخطر لا يتوقف

لا تقتصر معاناة النازحين على شُح الغذاء والماء؛ فطائرات مسيّرة لا تزال تحلق فوق رؤوسهم وتستهدف أي حركة بشرية، وفق ما يرويه المواطن آدم أبكر. “كأنهم يريدون طردنا من آخر بقعة نلجأ إليها.”

يأتي كل ذلك في ظل تحذير مشترك أطلقته منظمة الفاو وبرنامج الأغذية العالمي في 17 يونيو 2026، مؤكداً أن السودان يواجه أسوأ أزمة جوع في العالم، مع 19.5 مليون شخص يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، وتهديد المجاعة لـ14 منطقة في دارفور وحدها.

وبينما يصف عضو مجلس السيادة صلاح رصاص ما يجري بأنه “سياسة ممنهجة لتغيير التركيبة السكانية”، ويدعو المجتمع الدولي إلى التدخل، تبقى الشجرة الوحيدة في المخيم هي كل ما يفصل ثريا وأطفالها عن الشمس الحارقة.

السؤال الذي يطرحه النازحون في صمت يكبر كل يوم: كم قرية أخرى ستحترق قبل أن يتحرك أحد؟

اقرأ أيضاً

الرئيسية