زاوية الاخبار ٥ دقائق قراءة

الأورومتوسطي: مسيّرات الدعم السريع بالسودان تفتك بالمدنيين ولا جهود جادة لوقف التدفق الخارجي للأسلحة

قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنّ استخدام قوات الدعم السريع للطائرات المسيّرة في مناطق القتال بالسودان، ولا سيّما الضربات التي امتدّت إلى أحياء سكنية ومناطق مدنية مكتظّة بالسكان، يشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيّما لمبادئ التمييز والتناسب وواجب اتخاذ الاحتياطات في الهجوم، وبما يمثّل نمطًا من الهجمات غير المشروعة التي تُعدّ جرائم حرب ويشكّل في سياقه الأوسع جرائم ضد الإنسانية تستوجب مساءلة جنائية دولية.

وبيّن المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي اليوم أنّه وثّق خلال الأسبوع الأخير فقط مقتل ما لا يقل عن 28 مدنيًا وإصابة عشرات آخرين، جراء هجمات بطائرات مسيّرة نفّذتها قوات الدعم السريع على مواقع متعددة في ولايات شمال كردفان وجنوب كردفان وسنار، في هجمات لا يُستدلّ في معظمها على قيام ضرورة عسكرية، بما يشكّل إخلالًا بواجب اتخاذ الاحتياطات في الهجوم في القانون الدولي الإنساني، والذي يُلزم أطراف النزاع باتخاذ جميع التدابير العملية الممكنة لتجنّب إيقاع خسائر في أرواح المدنيين أو إصابتهم وتقليلها إلى الحد الأدنى.

وذكر أنّ إحدى أكثر الوقائع فظاعة حدثت مساء الإثنين 5 يناير/ كانون الثاني الجاري، حين استهدفت طائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع منزلًا سكنيًا في حيّ “الجلّابية” بمدينة الأُبيّض بولاية شمال كردفان، ما أسفر عن مقتل 13 مدنيًا، بينهم 8 أطفال، رغم خلوّ المنزل ومحيطه من أي وجود عسكري، بما يعكس استهانةً صارخةً بحماية المدنيين، في نمط باتت فيه الهجمات بأسلحة دقيقة وفتّاكة تُنفَّذ على نحو متكرر دون اكتراث بالكلفة البشرية أو بالعواقب القانونية المترتبة عليها.

يؤشر النمط المتكرر للاستهداف المباشر للمدنيين في المنازل والأسواق على أنّ الهدف من ذلك يتجاوز إيقاع خسائر في الأرواح والممتلكات إلى إشاعة بيئة من انعدام الأمان
وأشار إلى أنّه في واقعة أخرى، استهدفت مسيرة للدعم السريع يوم الأحد 11 يناير/ كانون الثاني الجاري سوق قرية “كرتالا” بمنطقة الجبال الستة بولاية جنوب كردفان، ما أسفر عن مقتل 5 أشخاص وإصابة نحو 20 آخرين، جميعهم من المدنيين، حيث استُهدف السوق في وقت كان يشهد حركة نشطة، ما أدّى إلى وقوع هذا العدد الكبير من الضحايا، ما شكّل ضغطًا على المرافق الطبية المحدودة في القرية، والتي عجزت عن التعامل مع بعض الإصابات الخطيرة.

وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ هذا النمط من الهجمات يعكس ثقة الجناة في الإفلات من العقاب، لا سيما مع تقاعس المنظومة الدولية عن اتخاذ أي إجراءات وتدابير رادعة وحاسمة لمحاسبة قوات الدعم السريع على الانتهاكات الخطيرة وغير المسبوقة التي ارتكبتها منذ بدء النزاع، وخصوصًا تلك التي أعقبت استيلائها على مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين أول 2025.

ولفت إلى أنّه بالنظر إلى أنواع وطبيعة الأسلحة التي باتت تستخدمها قوات الدعم السريع في استهداف المدنيين، فإنه من المشروع الاعتقاد بأنّ جزءًا من هذه الهجمات لا تنفذ عشوائيًا، وإنما على نحو متعمد ومع وجود نيّة مسبقة بالإضرار بالمدنيين وممتلكاتهم، إذ تمتلك قوات الدعم السريع وسائط رصد وطائرات مسيرة هجومية وانتحارية مزودة بتجهيزات تقنية تتيح للمشغّلين التحقق من طبيعة الهدف بوضوح قبل اتخاذ قرار الاستهداف، وهو ما يرقى إلى جرائم القتل العمد واستهداف المدنيين والأعيان المدنية على نحو مباشر.

وحذّر المرصد الأورومتوسطي من أنّ الدعم السريع بات يستخدم المسيّرات كأداة منهجية لبث الرعب بين السكان، إذ يؤشر النمط المتكرر للاستهداف المباشر للمدنيين في المنازل والأسواق على أنّ الهدف من ذلك يتجاوز إيقاع خسائر في الأرواح والممتلكات إلى إشاعة بيئة من انعدام الأمان تؤدي لتعطيل المرافق والخدمات الأساسية، وتخلق واقعًا قهرًيا يدفع المدنيين إلى النزوح القسري، وهو ما يضاعف من هشاشة الوضع الإنساني ويزيد من معاناة الفئات المستضعفة، لا سيما النساء والأطفال.

ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ هذه الهجمات تأتي في سياق نزاع مسلح متواصل منذ أبريل/ نيسان 2023؛ نشأت بسببه في السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم؛ إذ أدى الاقتتال المتواصل بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى مقتل وإصابة مئات الآلاف، وإجبار نحو 13.6 مليون شخص على النزوح داخليًا أو اللجوء إلى بلدان أخرى، إلى جانب تدمير منهجي للبنية التحتية، وانهيار شبه كامل للمنظومة الصحية والاقتصادية، ما دفع ملايين الأشخاص إلى حافة المجاعة، في ظل انسداد الأفق السياسي وغياب الممرات الآمنة لإيصال المساعدات.

وشدّد على أنّ استمرار النزاع وما يرافقه من ظروف كارثية سيؤدي بالضرورة إلى تعميق المعاناة الإنسانية، بما في ذلك الجوع، وسوء التغذية الحاد، وتفشي الأوبئة كالكوليرا والضنك، حيث يواجه ملايين الأشخاص خطر الموت بالعدوى أو الجوع في ظل انهيار شبه كامل في المنظومة الصحية، وعرقلة منهجية لوصول المساعدات، واستخدام التجويع كسلاح حرب.

وحذّر المرصد الأورومتوسطي من أنّ استمرار إمداد أطراف النزاع بالدعم العسكري، ولا سيما استمرار بعض الدول بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة في تزويد قوات الدعم السريع بالمسيّرات والأسلحة التي وثّقت تقارير أممية وحقوقية استخدامها في هجمات أوقعت خسائر جسيمة في صفوف المدنيين، يجعل الدول المزوِّدة شريكة في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في السودان، ويضعها تحت طائلة المساءلة الدولية، بما في ذلك لمسؤوليتها عن خرق قرارات مجلس الأمن المتعلقة بحظر توريد السلاح إلى السودان.

ودعا المرصد الأورومتوسطي مجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي إلى اتخاذ تدابير عقابية فورية وفعّالة بحق الدول والجهات التي يثبت تورطها في تزويد أطراف النزاع بالأسلحة، ولا سيّما قوات الدعم السريع، والتحرك لتفعيل آليات رقابة دولية صارمة تشمل تتبّع خطوط الإمداد ومسارات التحويل المالي ذات الصلة، وفرض قيود شاملة على تصدير ونقل الأسلحة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج المرتبطة بتصنيع أو تشغيل الطائرات المسيّرة، وتوسيع نطاق العقوبات ليشمل الأفراد والكيانات المتورطة في توريد الأسلحة ومكوّناتها أو تمويلها أو تشغيلها، بما في ذلك تجميد الأصول وحظر السفر.

وأكد المرصد أنّ التقاعس عن اتخاذ هذه التدابير يكرّس الإفلات من العقاب ويُسهِم في استمرار الاعتداءات على المدنيين في السودان، مؤكدًا أنّ عدم اتخاذ هذه الإجراءات يعزز ثقافة الإفلات من العقاب ويشجّع على استمرار الاستهداف المنهجي للمدنيين في السودان.

وطالب المرصد الأورومتوسطي أطراف النزاع في السودان بالوقف الفوري والكامل للهجمات التي تطال المدنيين والأعيان المدنية، وبالتقيّد الصارم بقواعد القانون الدولي الإنساني، وضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية بشكل فوري وآمن إلى المناطق المتأثرة بالنزاع دون عرقلة أو تأخير.

كما حثّ المرصد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على تسريع وتيرة تحقيقاته وتوسيع نطاقها بما يشمل الانتهاكات المرتكبة في سياق النزاع الحالي في مختلف المناطق المتأثرة، مؤكّدًا في الوقت ذاته ضرورة دعم عمل بعثة تقصّي الحقائق الأممية على نحو يمكّنها من توثيق الانتهاكات وجمع وحفظ الأدلة، بما يضمن عدم إفلات المسؤولين عن الجرائم من العقاب مهما تأخرت إجراءات المساءلة.

اقرأ أيضاً

الرئيسية