حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان من انهيار إنساني غير مسبوق في مناطق واسعة من السودان، في ظل استمرار النزاع المسلح، وما يرافقه من حرمان متعمد من الغذاء، وتدمير للأعيان المدنية الأساسية لبقاء السكان، وقيود منهجية تعرقل تدفق المساعدات الإنسانية، بما يضع ملايين المدنيين أمام خطر الموت جوعًا، في ظل إخفاق دولي متواصل في وقف النزاع وضمان الوصول الإغاثي الآمن.
وقال المرصد الأورومتوسطي في بيان صحافي اليوم إنّه يتابع بقلق بالغ التدهور المستمر في حالة الأمن الغذائي والمؤشرات الإنسانية في السودان مع دخول النزاع المسلح عامه الرابع، إذ تُظهر تقييمات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) المُحدّثة للربع الأول من عام 2026 أن 21.2 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، من بينهم 6.3 مليون في مرحلة “الطوارئ”، وهي المرحلة الرابعة التي تعكس مستويات حادة جدًا من الحرمان الغذائي وتتطلب تدخلًا عاجلًا، ونحو 375 ألف شخص في مرحلة “الكارثة/المجاعة”، وهي المرحلة الخامسة والأشد، حيث يبلغ انعدام الأمن الغذائي مستوى كارثيًا يهدد البقاء على قيد الحياة، فيما باتت الأزمة الإنسانية الشاملة تطال نحو 25 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة ومنقذة للحياة، وفقًا لأحدث نداءات خطة الاستجابة الإنسانية الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
وأوضح المرصد الأورومتوسطي أنّ أزمة انعدام الأمن الغذائي في السودان لم تعد مجرّد نقصٍ مؤقت في الإمدادات، بل تحوّلت إلى أزمة جوع مزمنة ومركّبة تقوّض أسس بقاء مجتمعات كاملة، بعد أن استنفد السكان إلى حدّ كبير وسائل التكيّف التي مكّنتهم سابقًا من الصمود، مشيرًا إلى أنّ هذا التدهور دفع سكانًا في مناطق عدّة، بما فيها أجزاء من دارفور وكردفان والخرطوم، إلى اللجوء إلى وسائل بقاء قاسية، شملت في حالات موثّقة أكل أوراق الأشجار، والأعلاف الحيوانية، وحتى البذور المخصّصة للزراعة، في ظلّ عجز متفاقم عن الوصول إلى الغذاء الأساسي واستمرار القيود والعوائق التي تفاقم خطر المجاعة.
وقال المرصد الأورومتوسطي إنّ التضخم الحاد في أسعار السلع الأساسية، الناجم عن اضطراب سلاسل الإمداد الغذائي وتدهور قيمة العملة المحلية وتراجع الأجور والقدرة الشرائية، حوّل الحصول على وجبة واحدة يوميًا إلى تحدٍ بالغ القسوة بالنسبة لمعظم النازحين والمدنيين المحاصرين، في وقت تشهد فيه الأسواق المحلية ندرة متزايدة في الحبوب والمواد الغذائية الأساسية اللازمة للبقاء، ولا سيما في المناطق المتأثرة بالنزاع والحصار، حيث لا تزال القيود على الوصول الإنساني وتعطل حركة الإمداد تفاقم هشاشة الأوضاع المعيشية وتدفع مزيدًا من السكان نحو مستويات أشد من الجوع والحرمان.
وأشار إلى أنّ اتساع رقعة النزاع إلى ولايات زراعية حيوية، في مقدّمتها ولاية الجزيرة التي تمثّل ركيزة أساسية للإنتاج الزراعي في السودان، لم يقتصر أثره على تعطيل موسم زراعي بعينه، بل أفضى إلى تقويض متراكم للمواسم الزراعية والإمدادات الغذائية، إذ أسهمت العمليات العسكرية وما رافقها من نزوح واسع، ومنع للمزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الزراعية وشبكات الري والأسواق ووسائل النقل، فضلًا عن نهب وتدمير أصول إنتاجية وغذائية أساسية، في تفكيك مقومات الإنتاج المحلي وتقويض مصادر استدامة الحياة.
ولفت المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ النزاع المسلح في السودان أفضى إلى أكبر أزمة نزوح قائمة في العالم، إذ تشير البيانات إلى نزوح نحو 8.9 مليون شخص داخليًا داخل السودان، فضلًا عن لجوء ملايين آخرين إلى دول الجوار، بعد أن دفعتهم الأعمال القتالية، والهجمات على المناطق المدنية، وتدمير البنية التحتية الأساسية، وانعدام الأمن، إلى الفرار من مناطق سكنهم.
وقال إنّ ما يجري يكشف عن إخفاق جسيم في احترام قواعد القانون الدولي الإنساني التي توجب حماية المدنيين وتحظر تهجيرهم، فرديًا أو جماعيًا، ما لم تفرض ذلك سلامتهم أو أسباب عسكرية قهرية، وهي استثناءات ضيقة لا يجوز التوسع في تفسيرها أو توظيفها لتبرير الإفراغ السكاني واسع النطاق، مؤكدًا أنّه حتى في الحالات الاستثنائية التي يُلجأ فيها إلى الإخلاء، فإنّه يجب أن يظلّ إجراءً مؤقتًا ومحكومًا بضرورات فعلية، مع التزام باتخاذ جميع التدابير الممكنة لضمان استقبال السكان في ظروف إنسانية ملائمة من حيث المأوى والصحة والسلامة والتغذية، واحترام الروابط الأسرية، وضمان العودة الآمنة فور زوال السبب الاستثنائي.
ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ النساء والأطفال يتحمّلون العبء الأكبر لهذه الانتهاكات المنهجية، في ظلّ انهيار متسارع لشبكات الحماية والخدمات الأساسية. وأوضح أنّ النساء والفتيات يواجهن أخطارًا متفاقمة ترتبط بالنزوح واسع النطاق، وانهيار خدمات الصحة والحماية، في وقت يُقدَّر فيه أنّ 12.7 مليون شخص يواجهون خطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، غالبيتهم من النساء والفتيات، بينما باتت خدمات الصحة الإنجابية ورعاية الحمل والولادة المنقذة للحياة بعيدة المنال أو شبه منعدمة في مناطق واسعة.
ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ النساء والأطفال يواجهون الأثر الأشد لهذه الانتهاكات المنهجية، في ظلّ انهيار متسارع لشبكات الحماية والخدمات الأساسية، حيث إنّ النساء والفتيات يواجهن أخطارًا متفاقمة ترتبط بالنزوح واسع النطاق، وانهيار خدمات الصحة والحماية، في وقت يُقدَّر فيه أنّ 12.7 مليون شخص يواجهون خطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، غالبيتهم من النساء والفتيات، بينما باتت خدمات الصحة الإنجابية ورعاية الحمل والولادة المنقذة للحياة بعيدة المنال أو شبه منعدمة في مناطق واسعة.
وقال إن هناك 17.3 مليون طفل في السودان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة ومنقذة للحياة، مع توقّعات بأن يعاني 4.2 مليون طفل من سوء تغذية حاد خلال العام الجاري، من بينهم أكثر من 825 ألف طفل في حالات هزال شديد، وفق بيانات الأمم المتحدة.
وحذر الأورومتوسطي من أنّ التدمير المنهجي للقطاع الصحي في السودان يفاقم على نحو خطير الوفيات الناجمة عن الجوع والأمراض القابلة للعلاج، إذ ما تزال 37% من المرافق الصحية خارج الخدمة على مستوى البلاد، بما يحرم ملايين الأشخاص من الرعاية الأساسية والمنقذة للحياة، في وقت يتعرّض فيه النظام الصحي لهجمات متكررة وتتعاظم فيه فجوات الدواء والكوادر والإمدادات الطبي، موضحًا أنّ هذا الانهيار يتقاطع مع تفشّي أوبئة فتاكة، من بينها الكوليرا والحصبة وحمى الضنك والتهاب الكبد الوبائي، خصوصًا في مخيمات النزوح والمناطق المكتظة، حيث تؤدي هشاشة خدمات المياه والصرف الصحي وتراجع التغطية الصحية والتغذوية إلى تحويل الأمراض القابلة للعلاج إلى أسباب متزايدة للوفاة، ولا سيما بين الفئات التي أنهكها الجوع المطوّل وسوء التغذية.
وبيّن أنّ الأزمة الإنسانية في السودان تتفاقم بصورة خطيرة بفعل أنماط متوازية من عرقلة الوصول الإنساني، تشمل الحصار العسكري لتجمعات مدنية ومنع تدفق الإمدادات التجارية والإنسانية، كما حدث في الفاشر، فضلًا عن القيود الإدارية التي تعترض العمل الإنساني في بعض الحالات، بما يؤدي إلى تأخير المساعدات المنقذة للحياة أو تقليصها أو حرمان المدنيين منها، على نحو يقوّض حقهم في البقاء ويعمّق آثار الجوع والمرض والنزوح.
وشدّد المرصد الأورومتوسطي على أنّ تجويع السكان المدنيين، سواء بصورة مباشرة أو عبر تدمير أو تعطيل مقومات بقائهم، يشكّل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني؛ حيث يحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب القتال، كما يحظر مهاجمة أو تدمير أو إزالة أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة، بما في ذلك المواد الغذائية، والمناطق الزراعية، والمحاصيل، والثروة الحيوانية، ومرافق مياه الشرب وإمداداتها، وأعمال الري، ويحظر كذلك عرقلة وصول الإغاثة الإنسانية الضرورية للمدنيين المحتاجين على نحو تعسفي، مشيرًا إلى أن هذا الحظر يرد صراحةً في القاعدة 53 من القانون الدولي الإنساني العرفي، والقاعدة 54 المتعلقة بحماية الأعيان اللازمة لبقاء السكان المدنيين، والقاعدة 55 الخاصة بإتاحة الوصول الإنساني، فضلًا عن المادة 14 من البروتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1977.
وشدّد المرصد الأورومتوسطي على أنّ التجويع المتعمّد للمدنيين، متى استُخدم كأسلوب من أساليب الحرب في سياق نزاع مسلّح غير دولي، يشكّل جريمة حرب تستوجب المساءلة الجنائية الفردية بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مضيفًا إلى أنّ هذا النمط من الأفعال، متى نُفِّذ في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد السكان المدنيين، ضمن الجرائم ضد الإنسانية، ولا سيما جريمة الإبادة، متى اقترن بفرض متعمّد لظروف معيشية يُقصد بها إهلاك جزء من السكان، بما في ذلك الحرمان من الوصول إلى الغذاء والدواء.
ونبّه المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ الاستجابة الدولية إزاء الأزمة الإنسانية في السودان تتسم بقصور حاد لا يتناسب مع اتساع الكارثة الإنسانية وتفاقم احتياجات السكان المدنيين. ويتجلّى هذا القصور بوضوح في الفجوة التمويلية الكبيرة التي تعانيها خطة الاستجابة الإنسانية، بما يعيق قدرة الوكالات الإغاثية على تلبية الاحتياجات الأساسية والمنقذة للحياة؛ إذ لم تتلق الخطة حتى أبريل/نيسان الجاري سوى أقل من 18% من إجمالي التمويل المطلوب البالغ 2.87 مليار دولار، أي بعجز يتجاوز 82%..
ودعا المرصد الأورومتوسطي قوات الدعم السريع والجيش السوداني إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية في جميع أنحاء السودان، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي الإنساني، بما يشمل احترام مبدأي التمييز والتناسب، ووقف جميع الهجمات على المدنيين والأعيان المدنية، والامتناع عن أي ممارسات من شأنها تعريض السكان المدنيين للجوع أو الحرمان من مقومات بقائهم.
كما شدّد على ضرورة رفع أي حصار عسكري مفروض على التجمعات المدنية والمخيمات، ولا سيما من قبل قوات الدعم السريع، وضمان عدم عرقلة وصول الإمدادات التجارية والإنسانية، ووقف استهداف المحاصيل الزراعية والبنى الضرورية للإنتاج الغذائي، وتأمين الحماية الفعلية للمرافق الصحية، وشبكات المياه، والأسواق، ووسائل النقل، وسائر الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة.
كما طالب المرصد الأورومتوسطي كافة أطراف النزاع بضمان إبقاء المعابر الحدودية والممرات الإنسانية آمنة ومفتوحة ومنتظمة، بما يكفل التدفق السريع وغير المشروط للمساعدات الإنسانية والكوادر الإغاثية والمستلزمات الطبية والغذائية، ومنع إخضاع العمل الإنساني لأي تسييس أو ابتزاز أو عراقيل عسكرية أو إدارية، بالتوازي، مع اتخاذ تدابير عاجلة تمكّن المزارعين من الوصول الآمن إلى أراضيهم ومصادر مياههم وأدوات إنتاجهم، بما يساعد على الحد من الانهيار المتواصل في الإنتاج الغذائي المحلي، ويخفف من الاعتماد القسري على المساعدات الطارئة وحدها.
وحثّ المرصد الأورومتوسطي الأمم المتحدة والمجتمع الدولي على الانتقال من الاكتفاء بالتحذير إلى اتخاذ تدابير حاسمة وفعّالة تضمن حماية المدنيين وتيسير وصول الإغاثة، بما في ذلك ممارسة ضغط سياسي ودبلوماسي وقانوني جاد على أطراف النزاع، ودعم ترتيبات عاجلة وآمنة لوصول المساعدات إلى جميع المناطق المتضررة، والإسراع في سد الفجوة التمويلية الكبيرة في خطط الاستجابة الإنسانية، بما يمكّن الوكالات المختصة من أداء مهامها المنقذة للحياة.
كما دعا إلى فرض عقوبات دولية موجهة على الأفراد والكيانات المتورطة في عرقلة المساعدات الإنسانية، أو مهاجمة المدنيين، أو تدمير الأعيان المدنية، أو الإسهام في إدامة النزاع من خلال تزويد أطرافه بالسلاح أو الدعم المادي أو العسكري أو الاستخباراتي ذي الصلة.
وطالب المرصد الأورومتوسطي مجلس الأمن الدولي باتخاذ إجراءات حاسمة تضمن المساءلة عن الجرائم الجسيمة المرتكبة في السودان، بما في ذلك توسيع نطاق الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية ليشمل الجرائم المرتكبة في سائر أنحاء السودان منذ اندلاع النزاع الحالي، وعدم قصرها على نطاقها الجغرافي القائم، بما يتيح التحقيق في الجرائم المرتبطة بتجويع المدنيين، والحصار، وتدمير مقومات البقاء، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، وملاحقة المسؤولين عنها جنائيًا.
كما دعا مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى إعطاء الجرائم المرتبطة بتجويع المدنيين، وتدمير الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقائهم، وعرقلة الإغاثة الإنسانية أولوية صريحة ضمن التحقيقات الجارية في حالة دارفور، مع العمل على تحديد المسؤوليات الجنائية الفردية عن هذه الأفعال واتخاذ الخطوات الإجرائية اللازمة في ضوء الأدلة المتاحة، بما في ذلك طلب إصدار مذكرات توقيف بحق المشتبه في مسؤوليتهم عن هذه الجرائم، وبالتوازي، ضرورة العمل على دعم آليات التحقيق الدولية والوطنية المستقلة، وتعزيز جمع الأدلة وحفظها، وتفعيل الدول لمبدأ الولاية القضائية العالمية لملاحقة المسؤولين عن هذه الانتهاكات.
