أعرب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن بالغ القلق إزاء تصاعد وتيرة الهجمات ضد المدنيين والبنية التحتية الحيوية في السودان، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الصحية والإنسانية وسط انتشار وباء الكوليرا وتدهور خدمات المياه والكهرباء.
وسلط مكتب أوتشا الضوء على حادثة مروعة وقعت بتاريخ 30 أيار/مايو، حين استهدف هجوم بطائرة مسيّرة مستشفى الضمان الدولي بمدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن ستة من الكوادر الصحية وإصابة أكثر من 15 آخرين بجراح متفاوتة.
وجاء هذا الهجوم بعد يوم واحد فقط من قصف متكرر استهدف منشآت تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، ما ألحق أضراراً بالغة بمركز إنساني رئيسي يخدم آلاف النازحين والمحتاجين.
وبحسب تقارير ميدانية، وجّهت أصابع الاتهام إلى قوات الدعم السريع بالمسؤولية عن الهجومين، في ظل استمرار الصراع المسلح الذي دخل عامه الثاني دون بوادر حل سياسي يلوح في الأفق.
وفي هذا السياق، دعت كريستين هامبروك، القائمة بأعمال منسقة الشؤون الإنسانية في السودان، جميع الأطراف إلى الالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني، مشددة على أن استهداف المرافق الطبية وموظفي الإغاثة “أمر غير مقبول“، ويشكل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية.
وقالت هامبروك إن “هذه المرافق ضرورية لبقاء السكان على قيد الحياة في ظل تصاعد الأزمة الإنسانية“، وحثّت على ضمان وصول المساعدات دون عوائق إلى جميع المحتاجين.
أزمة مياه وكوليرا تهدد الملايين
في موازاة التصعيد العسكري، حذّر مكتب أوتشا من تداعيات خطيرة للهجمات التي طالت منشآت الكهرباء في العاصمة الخرطوم، والتي أسفرت عن انقطاعات واسعة في إمدادات المياه، ما دفع آلاف العائلات إلى اللجوء إلى مصادر مياه غير آمنة. وأدى ذلك إلى تعريض أكثر من مليون طفل لخطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه، وعلى رأسها الكوليرا.
ورغم تسجيل انخفاض نسبي في عدد الحالات اليومية في ولاية الخرطوم خلال الأسابيع الماضية – بفضل جهود العاملين الصحيين والمتطوعين – إلا أن الأرقام الإجمالية لا تزال مثيرة للقلق. فقد تم الإبلاغ عن أكثر من 16,500 إصابة بالكوليرا، توفي منها نحو 340 شخصاً، منذ بدء تفشي الوباء.
وفي ولاية جنوب دارفور، أفاد مكتب أوتشا بظهور عشرات الحالات في مدينة نيالا ومحيطها، ما دفع السلطات المحلية إلى إعلان حالة طوارئ صحية. كما يستمر الوباء في الانتشار في ولايتي شمال دارفور ونهر النيل، حيث تم تسجيل أكثر من 200 حالة جديدة وعدد من الوفيات خلال الأسابيع الأخيرة.
وأكد أوتشا أن السلطات الصحية، بدعم من الأمم المتحدة، أقامت مراكز لعلاج الكوليرا وفعّلت أنشطة للرصد المجتمعي، لكن لا تزال هناك فجوات كبيرة في الإمدادات والمعدات، إضافة إلى إنهاك الكوادر الصحية العاملة في الميدان.
النداء الأخير: تحرك عاجل قبل فوات الأوان
بين تصاعد العنف في مناطق النزاع وظهور بؤر تفشٍ وبائي جديدة، يجد ملايين المدنيين أنفسهم محاصرين بين خطر القصف وسوء التغذية والأمراض. وفي هذا السياق، شدد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية على أن قدرته وشركاءه على الاستجابة تتعرض لضغوط غير مسبوقة، بسبب نقص التمويل، وصعوبات التنقل، والتحديات اللوجستية في ظل الاشتباكات المستمرة.
وحث المكتب المجتمع الدولي على التدخل العاجل لضمان توفير الموارد اللازمة، بما في ذلك الأدوية واللقاحات ومعدات التطهير، إضافة إلى تسهيل وصول فرق الإغاثة إلى المناطق المتضررة.
في الختام، تؤكد الأمم المتحدة أن إنقاذ الأرواح في السودان لم يعد مسألة وقت بل مسألة إرادة، وأن تجاهل هذه التحذيرات قد يؤدي إلى كارثة صحية وإنسانية غير مسبوقة في المنطقة.
