غزة – تواجه المرافق الصحية في قطاع غزة ضغطًا هائلًا جراء موجة متصاعدة من الإصابات وسط استمرار انعدام الأمن ونقص الموارد الطبية، مما يعرض المرضى والكوادر الطبية لخطر شديد في ظل ظروف استثنائية تحوّل العمل الطبي إلى تحدٍ يومي.
تشير تقارير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن الرصاص الطائش الذي يتساقط على المستشفيات الميدانية في غزة يعطل سير العمل بشكل مستمر، حيث يضطر الطاقم الطبي والمرضى إلى الاحتماء في مناطق أكثر أمانًا داخل المنشآت الطبية عند سماع إنذارات إطلاق النار. وفي ظروف خطيرة، تضطر النساء في أجنحة الولادة إلى التمدد على الأرض أثناء الولادة، خشية من أن تؤذيهن قذائف الرصاص المتناثرة، فيما يستمر الأطباء والجراحون في أداء مهامهم وسط تهديدات متواصلة، مع العلم أن الرصاص قد يخترق حتى جدران غرف العمليات.
ووصف الدكتور ريك بيبركورن، ممثل منظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية المحتلة، الحالة في مجمع ناصر الطبي بأنها “جناح ضخم للصدمات“، إذ يعاني المستشفى الذي يفترض أن يستوعب 350 سريرًا من ازدحام يفوق طاقته، حيث يعالج حاليًا حوالي 700 مريض. وأوضح أن مئات المصابين الجدد يدخلون المستشفى أسبوعيًا، لا سيما ممن تعرضوا لإصابات في مناطق قريبة من المواقع العسكرية، مما يزيد من التحديات في تقديم الرعاية.
كما أشار الدكتور بيبركورن إلى أن مرضى العناية المركزة باتوا موزعين في أقسام مختلفة بالمستشفى بسبب ضيق المساحة في وحدة العناية المركزة الأصلية، إلى جانب نقص حاد في المستلزمات الطبية الأساسية، وخاصة المواد الضرورية لعلاج الإصابات الخطيرة.
وفي 6 يوليو/تموز، أكدت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة أن مختبرات الدم وبنوك الدم تعاني نقصًا حادًا في وحدات الدم ومكوناته، في ظل تزايد أعداد الإصابات الحرجة التي تحتاج إلى نقل دم مستمر. وأشارت الوزارة إلى أن كمية الدم المتوفرة لا تغطي سوى جزءًا بسيطًا من الاحتياجات الشهرية، حيث تم صرف نحو 10,000 وحدة دم خلال الشهر الماضي، في حين لم يتم جمع سوى 3,500 وحدة فقط.
وقد فشلت الجهود المجتمعية في تشجيع التبرع بالدم، بسبب تفشي سوء التغذية وفقر الدم بين السكان، ما جعل الكثيرين غير قادرين على التبرع، وهو ما يفاقم أزمة نقص الدم الحادة ويهدد سلامة المرضى الذين يعتمدون عليه في علاجهم.
وفي تطور آخر، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في 8 يوليو/تموز تعليق عمل عيادة الزيتون الطبية التابعة لها في مدينة غزة، بعد قصف استهدف المنطقة المحيطة بالعيادة، ما أدى إلى تدهور خطير في ظروف السلامة للفرق الطبية والمرضى على حد سواء. ووصف مسؤولون في الجمعية العيادة بأنها شريان حياة للكثير من سكان المنطقة، خاصة في ظل التكدس السكاني الكبير بعد عمليات التهجير القسري.
ويترتب على إغلاق العيادة حرمان آلاف المرضى من الخدمات الطبية الأساسية، ما يضطرهم إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى منشآت صحية أخرى، وهو وضع يزيد من معاناة النازحين ويهدد استمرار تقديم الرعاية الوقائية، بما في ذلك التطعيمات الضرورية.
منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أُجبرت 18 عيادة طبية تابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني على التوقف عن العمل بسبب القصف أو نقص الموارد، ما يعكس التأثير المباشر للصراع على قطاع الصحة الذي كان يعاني أساسًا من تحديات كبيرة.
تداعيات إنسانية خطيرة
تفاقم الأوضاع الصحية في غزة يعكس تدهورًا خطيرًا في قدرة النظام الصحي على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان وسط أزمات متعددة، تشمل انعدام الأمن، نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الصحية.
ووسط هذا الواقع الصعب، يواجه المرضى والطاقم الطبي مخاطر مباشرة من العمليات العسكرية المستمرة، التي تضع حياة الجميع في خطر، كما تشكل تحديًا أخلاقيًا وإنسانيًا كبيرًا أمام المنظمات الصحية التي تحاول تقديم خدماتها في ظروف متدهورة.
نداءات للمجتمع الدولي
تتكرر الدعوات الدولية إلى ضرورة حماية المرافق الصحية والكوادر الطبية، وضمان وصول المساعدات الطبية العاجلة، ورفع الحصار عن قطاع غزة للسماح بتدفق الإمدادات الحيوية، وتوفير بيئة آمنة تضمن استمرار تقديم الرعاية الصحية دون عوائق.
إن استمرار الوضع الحالي من شأنه أن يؤدي إلى كارثة إنسانية صحية غير مسبوقة، تودي بحياة المزيد من المدنيين، وترسخ حالة من اليأس والمعاناة العميقة داخل القطاع المحاصر.
