زاوية الاخبار ٣ دقائق قراءة

مجزرة الطفولة: كيف تحوّلت غزة إلى مقبرة جماعية لأحلام الصغار

لا يحتاج أطفال غزة إلى تعريف جديد لـالطفولة. في قاموسهم، لا تعني اللعب أو المدارس أو الحكايات، بل تعني الاختباء من القصف، الهروب من تحت الأنقاض، وانتظار النجاة التي لا تأتي. في هذا الركن الصغير من العالم، الذي يضج بالحرب منذ شهور، تتحول كل لحظة إلى فخ موت محتمل، وكل بيت إلى شاهد قبر.

في نهاية أيار/مايو، اهتزّت غزة على وقع واحدة من أبشع مجازر الحرب الجارية، عندما استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي منزل الطبيبة آلاء النجار، لتنتشل منه سبعة من أطفالها العشرة، وقد تحوّلت أجسادهم إلى رفات متفحم. طفلان آخران بقيا تحت الركام، فيما يرقد ابنها الوحيد الناجي، آدم، في مستشفى ناصر، يصارع الموت بجسد محترق وروح موشكة على الانطفاء.

أمام باب غرفة العناية المركزة، تنتظر آلاء بصمت، لا كطبيبة هذه المرة، بل كأم أُبيد عالمها بلحظة. أما زوجها حمدي، طبيب في الأربعين من عمره، فيقبع على سرير آخر في العناية المركزة، مصابًا إصابات دماغية وشظايا، لا يعرف إن كان العالم من حوله ما يزال موجودًا، أو أن بيته قد تحول إلى مقبرة.

لكن النكبة لم تتوقف عند عائلة واحدة. في حيّ قريب، كانت يقين حماد الطفلة المؤثرة على مواقع التواصل تسقي الأزهار التي زرعتها حول خيمتها في مخيم نازحين، عندما سقط صاروخ أنهى حياتها. لم يكن في المكان أي هدف عسكري، فقط طفلة تحاول أن تحفظ بقعة أمل صغيرة وسط خراب لا نهائي. أصيب ابن عمها إياد، وفقد إحدى عينيه، وبات هو الآخر يشارك آدم النجار غرفة الألم في مستشفى ناصر.

لم يكن أحد من هؤلاء الأطفال يحمل بندقية، أو يعرف معنى الهدف التكتيكي. لكنهم جميعًا تحولوا إلى أهداف ضمن سياسة عقابية تتعمد كسر الأجيال الفلسطينية، وتدمير المستقبل قبل أن يتشكل.

الأرقام تصرخ، لكنها لم تعد تصدم: أكثر من 16,500 طفل قُتلوا منذ بدء الحرب في غزة، بحسب إحصاءات موثقة من منظمة الصحة العالمية ومصادر إنسانية موثوقة. هذا الرقم يتجاوز عدد الأطفال الذين قُتلوا في أوكرانيا منذ الغزو الروسي بـ24 ضعفًا، رغم أن عدد سكان أوكرانيا أكبر بنحو 20 مرة.

ليس الأمر خللًا في دقة القصف، بل سياسة ممنهجة لضرب الأعماق الاجتماعية الفلسطينية، وتفكيك نسيجها الحيوي، بدءًا من الأطفال. الأطفال في غزة يُستهدفون في المنازل، في المدارس، في الخيام، وفي المستشفيات. ولا تزال إسرائيل تتحدث عن التحقيق في الملابسات.

ما بعد المجزرة ليس مجرد جنازات وركام. ورد خليل، الطفلة ذات الستة أعوام، نجت من قصف مدرسة فهمي الجرجاوي بعدما احترق مبناها بالكامل. روت للكاميرات كيف استيقظت على مشهد والدتها جثة وسط النيران، وكيف مشت وسط ألسنة اللهب هربًا من الموت. نجت، لكنها لا تعرف إن كانت ما تزال على قيد الحياة من الداخل.

المأساة لم تتوقف عند القتل المباشر. الحصار المطبق، وحرمان السكان من الغذاء والماء والدواء، شكّلا حربًا موازية. عشرات الأطفال قضوا جوعًا في غضون أيام، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فيما تشير توقعات الأمن الغذائي إلى أن 71 ألف طفل دون الخامسة يواجهون خطر سوء تغذية حاد خلال الأشهر المقبلة، بينهم أكثر من 14 ألفًا في حالة حرجة.

في ظل هذا الواقع، تحولت غزة إلى حقل تجارب للخراب. منازل تُسوى بالأرض، مستشفيات تئن، ومدارس تُحول إلى مقابر. ولا أحد يتحرك لوقف المجزرة المستمرة.

أمام هذه الوحشية، تبقى الكلمات خجولة، لا تفي بالغرض، ولا توقف الموت. لكنها محاولة لتثبيت الحقيقة في وجه آلة إنكار لا تتوقف: أطفال غزة ليسوا أرقامًا. إنهم أحلام قُتلت عمدًا. وإن بقي للعالم ذرة من ضمير، فإن أول اختبار له سيكون في إنقاذ ما تبقى من هؤلاء الأطفال، قبل أن تتحول غزة بالكامل إلى مقبرة جماعية للصغار.

اقرأ أيضاً

الرئيسية