وسط أنقاض غزة المدمّرة، تعيش آلاف العائلات في دوامة من القلق واليأس، بحثاً عن أحبّائها المفقودين منذ بداية حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية قبل أكثر من 20 شهرا.
أنوار حواس، شابة عشرينية، تجوب شوارع المدينة يومياً بحثاً عن شقيقها المصاب بالتوحد الذي اختفى قبل أسابيع، في قصة ليست فريدة، بل واحدة من بين أكثر من 11 ألف حالة فقدان تم تسجيلها في القطاع، وسط غياب أي آليات رسمية أو قدرات فنية لتحديد مصير الضحايا أو المفقودين.
تخرج أنوار (22 عاماً) كل صباح وهي تحمل أوراقاً مطبوعة عليها صورة شقيقها هادي (17 عاماً)، وتسير بها بين ركام المباني في حي الزيتون وغيره، تسأل الناس علّها تجد خيطاً يقودها إليه.
تقول في إحدى جولات البحث: “أبحث عن أخي هادي منذ ثلاثة أسابيع. كل يوم أخرج من الصباح وأعود في المساء. أطبع صوره وألصقها على الجدران وأسأل الناس في الشوارع والأسواق. لا أملك إلا الدعاء أن أعود به إلى حضن عائلتي.“
البحث في المستشفيات الميدانية
لا تقتصر رحلة أنوار على الشوارع والأزقة. تتوجه أيضاً إلى المستشفيات الميدانية، مثل مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني، حيث تسأل الموظفين عن أي معلومات. في إحدى زياراتها، سلّمت موظفة الاستقبال صورة هادي وأرقام العائلة.
تروي أنوار: “تمعّنت الموظفة في الصورة، وقالت إنها لم تره، لكنها وعدت بإبلاغنا إذا وصل أي خبر. لكن هذه الوعود تتكرر بلا نتيجة.“
وتضيف أن الوضع في غزة يجعل من العثور على المفقودين مهمة شبه مستحيلة: “لا توجد أجهزة حكومية تساعدنا. لا أمن ولا استقرار. اضطررنا للجوء إلى الوسائل التقليدية مثل توزيع الصور والملصقات، خاصة بعد انقطاع الإنترنت والاتصالات.“
مبادرات لتعويض غياب الجهات الرسمية
غياب الجهات الرسمية دفع بعض الشباب إلى التحرك. أطلق غازي المجدلاوي مبادرة إلكترونية باسم «المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسراً» لمساعدة الأهالي في البحث عن ذويهم. يعمل غازي مع متطوعين لتسجيل بيانات المفقودين ومحاولة التحقق منها وربطها بأي معلومات قد تظهر.
يقول المجدلاوي: “مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، أطلقنا المنصة كوسيلة للتوثيق والبحث. الاحتلال يمنع دخول معدات فحص الحمض النووي (DNA)، ما يصعّب التعرف على الجثامين المنتشلة. هناك مئات وربما آلاف القتلى مجهولي الهوية.“
صعوبة تحديد مصير المفقودين
المأساة تتعاظم في ظل غياب إحصاءات دقيقة حول مصير المفقودين.
يقول مصطفى إبراهيم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان: “تابعنا نحو ألف حالة فقدان أو اختفاء قسري. استطعنا كشف مصير حوالي 600 منهم عبر متابعات مع السلطات الإسرائيلية. لكن ما زال هناك 420 شخصاً لا يعرف أحد عنهم شيئاً. هناك من اختفوا قسراً ولا تتوفر أي معلومات عن أماكنهم.“
ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تجاوز عدد المفقودين في غزة 11 ألف شخص منذ بداية الحرب، غالبيتهم من النساء والأطفال.
غير أن طبيعة مصير هؤلاء تظل غامضة. فهناك من يُعتقد أنهم قتلوا في الغارات الجوية وبقيت جثامينهم تحت الأنقاض، وآخرون قد يكونون محتجزين لدى الجيش الإسرائيلي أو اختفوا في ظروف غامضة.
تقول منظمات حقوقية إن بعض المفقودين يُرجح أنهم محتجزون في السجون الإسرائيلية، بينما يشير آخرون إلى احتمال اختفاء أعداد منهم قسراً دون أي معلومات عن أماكن وجودهم حتى الآن.
المساعدات تزيد المأساة
في خضم الجهود للعثور على المفقودين، تظهر مشاهد جديدة للمأساة. تقارير محلية أفادت بأن عشرات الفلسطينيين فُقدوا أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز توزيع المساعدات.
ويُرجح أن يكون بعضهم قُتل ودُفن خلال العمليات العسكرية دون تسجيل أسمائهم ضمن قوائم الضحايا، ما يزيد من تعقيد مهمة الأهالي في تحديد مصير أحبّائهم.
وسط هذا المشهد المروّع، تتضاعف معاناة العائلات، التي تجد نفسها عالقة بين الألم والانتظار، في وقت يغيب فيه الدعم الرسمي والقدرات الفنية اللازمة لكشف مصير المفقودين، فيما تظل غزة تدفع الثمن الأكبر للحرب، ليس فقط بالدمار، بل بفقدان آلاف الأرواح التي ما زال مصيرها مجهولاً.
