زاوية الاخبار ٥ دقائق قراءة

قراءة في مبادرة اليونسكو “إحياء روح الموصل”

عقب تحرير مدينة الموصل العراقية من قبضة تنظيم داعش، أطلقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) مبادرة طموحة بعنوان إحياء روح الموصل لكي تمكِّن المدينة من النهوض من رمادها. وتكتب هذه المبادرة اليوم قصة مفعمة بالأمل والصمود، وتترك إرثا دائما لليونسكو وتعددية الأطراف عبر التركيز على مدى فعالية التعاون الدولي.

كان جامع النوري مع مئذنته الحدباء رمزا للموصل على مرِّ القرون، غير أنهما تحولا إلى ركام بعد اجتياح تنظيم داعش للمدينة عام 2014؛ ولكنهما عادا اليوم ليزينا سماء المدينة.

ويقول عمر، وهو مهندس معماري شاب وأحد سكان المدينة: عندما رأيت المئذنة ترتفع مجددا، شعرت وكأنني أرى الحياة تدبُّ مرة أخرى في مدينتي. نحن لا نعيد بناء الموصل وحسب، وإنما نعيد إحياء روحنا التي لا يمكن لأي أحد أن يدمرها.

وفقا لليونسكو، تتجاوز إعادة البناء مجرد كونها عملية ترميم مادية، فهي استعادة للهوية والوحدة؛ وتكمن هذه القناعة في صميم الجهود التي تبذلها المنظمة لإعادة بناء المعالم الأثرية ذات الرمزية في الموصل، ومن بينها جامع النوري والمئذنة الحدباء. إحياء الحياة الثقافية في الموصل لا يقل أهمية عن ترميم آثارها، فقد عادت أحياء المدينة التاريخية التي كانت تضج بالموسيقى والضحكات إلى سابق عهدها.

وقد أعادت اليونسكو، بدعم من الاتحاد الأوروبي، بناء 124 منزلا تراثيا بعناية تمهيدا لعودة ساكنيها. وتقول نجاة التي كانت تعيش في أحد هذه البيوت مع إخوتها وأخواتها التسعة: إنَّ العودة إلى العيش هنا أشبه بالحلم، فكل زاوية تمتلئ بالذكريات الغالية.

وتقول اليونسكو إنه لا يزال هناك الكثير من العمل، ولكن بفضل مبادرة المنظمة، عادت المدينة القديمة في الموصل لتتواءم مع اسمها الذي يعني الصلة والتقاطع والجسر.

ولادة جديدة لمعالم ذات رمزية كسابق عهدها

كان جامع النوري مع مئذنته الحدباء رمزاً للموصل على مرِّ القرون، غير أنهما استحالا ركاماً بعد اجتياح تنظيم داعش للمدينة في عام 2014؛ ولكنهما عادا اليوم ليزينا سماء المدينة. ويقول عمر، المهندس المعماري الشاب وأحد السكان المحليين الذين يقوم عدد منهم بجمع قطع تاريخية مع بعضها بدقة متناهية، عندما رأيت المئذنة ترتفع مجدداً، شعرت وكأنني أرى الحياة تدبُّ مرة أخرى في مدينتي.

تتجاوز إعادة البناء مجرد كونها عملية ترميم مادية، فهي استعادة للهوية والوحدة؛ وتكمن هذه القناعة في صميم الجهود التي تبذلها اليونسكو لإعادة بناء المعالم الأثرية ذات الرمزية في الموصل، ومن بينها جامع النوري والمئذنة الحدباء.

انطلق هذا المشروع بالشراكة مع الإمارات العربية المتحدة، غير أنه واجه عقبات تراوحت بين نزع فتيل متفجرات مخفية وحفظ قاعات الصلاة التي تعود إلى القرن الثاني عشر والمكتشفة في أثناء أعمال التنقيب، إضافة إلى تحدٍّ معماري تمثَّل في إعادة بناء المئذنة الغالية على قلوب أهل هذه المدينة مائلة كسابق عهدها وباستخدام المواد الأصلية. ومع ذلك، ثابر الفريق وعمل على الدمج بين التاريخ والحداثة لكي ينشئ مئذنة وفية للماضي ناظرة إلى المستقبل.     

وقد طُبِّق هذا النهج على معالم أثرية بارزة أخرى في المدينة القديمة، حيث عادت أجراس دير سيدة الساعة وكنيسة الطاهرة تُقرع مجدداً بعد أن استُقدمت من فرنسا وإيطاليا إلى الموصل، معلنة بداية فصل جديد من تاريخ المدينة.

ودعمت الإمارات العربية المتحدة ومؤسسة التحالف الدولي لحماية التراث ألِفْ عملية إحياء هذه المعالم التي ترمز إلى التنوع الديني في قلب هذا المجتمع المتعدد الثقافات.

إحياء النبض الثقافي للمدينة

لا يقل إحياء الحياة الثقافية في الموصل أهمية عن ترميم آثارها، فقد عادت أحياء المدينة التاريخية التي كانت تضج بالموسيقى والضحكات إلى سابق عهدها.

وقامت اليونسكو بإعادة بناء 124 منزلاً تراثياً بعناية مدعومة من الاتحاد الأوروبي، بغية تعزيز عودة الأسر إليها. وتقول نجاة التي كانت تعيش في أحد هذه البيوت مع إخوتها وأخواتها التسعة: إنَّ العودة إلى العيش هنا أشبه بالحلم، فكل زاوية تمتلئ بالذكريات الغالية.

نفذَّت اليونسكو أيضاً مبادرات ثقافية ترمي إلى إعادة الفنون إلى الواجهة، حيث يقوم مخرجون شباب كانوا قد تدربوا بالتعاون مع مسرح المدينة في غينت بتوثيق رحلة تعافي الموصل؛ وأصبح لدى المبدعين الشباب مكان يضمهم يُعرف باسم المحطة، ويقدَّم إليهم التدريب على آلات موسيقية تقليدية.

وقد فتح مركز إعلامي للمجتمع المحلي أبوابه على ضفاف نهر دجلة لاستضافة فعاليات ودعم مبادرات المجتمع المدني، لتعود الموصل إلى الغناء والرقص والقراءة والتكلم بحرية كسابق عهدها.

التعليم: بناء أسس المستقبل

يعتبر التعليم أحد الأركان الأساسية لاستعادة الأمل في مدينة لم يرَ فيها العديد من الأطفال فصلاً دراسياً في حياتهم؛ لذلك أعادت اليونسكو بناء مدرسة الإخلاص الابتدائية بدعم من الاتحاد الأوروبي، وجهزتها بالفصول الدراسية ومكتبة وأماكن مخصصة للإبداع.

وقد جُدِّد أكثر من 400 فصل دراسي في مختلف أنحاء محافظة نينوى، وزوِّدت جامعة الموصل بمعدات جديدة للمكتبة وأنشئ فيها قسم للسينما.

ودُرِّب أكثر من 5000 مربٍ وولي أمر على التعليم من أجل السلام بغية منع عودة التطرف العنيف، حيث تعلموا كيفية فتح الحوار مجدداً مع الشباب خارج المدرسة، وكيفية التعرف على من يعانون من ضائقة نفسية، وكيفية الرد على الأسئلة الحساسة التي تُطرح بشأن الأحداث الماضية.

وكانت برامج اليونسكو للتدريب المهني بمثابة شريان حياة لآلاف الشباب العاطلين عن العمل، مثل غفران، الشابة التي خسرت منزلها في النزاع وتدربت على أعمال البناء بالطوب، ثم تمكنت سريعاً من إيجاد عمل في مشروع محلي، واستخدمت دخلها في إعادة بناء منزلها ودعم إخوتها الأصغر سناً.

نهضة مدينة

لم يقتصر الجهد المتعدد المجالات الذي بذلته اليونسكو على ترميم المباني، إذ أعادت إحياء روح المدينة وأبنائها؛ ولم تعد الموصل بعد الآن مجرد مدينة تتعافى من الحرب، بل أصبحت إرثاً يدل على قوة الجهد الجماعي والدولي، فقد دبَّت الحياة مجدداً في أركانها من المئذنة الحدباء إلى ضحكات الأطفال في شوارعها.

يقول عمر: نحن لا نعيد بناء الموصل وحسب، وإنما نعيد إحياء روحنا التي لا يمكن لأي أحد أن يدمرها. ولا يزال هناك الكثير من العمل، ولكن بفضل مبادرة اليونسكو، عادت المدينة القديمة في الموصل لتتواءم مع اسمها الذي يعني الصلة والتقاطع والجسر.

اقرأ أيضاً

الرئيسية