أصبحت أجساد الغزيين أكثر هزالًا، ونظمهم المناعية أضعف، وخيامهم مغمورة بالمطر والمجاري. هذا الشتاء يسبب معاناة أكبر لسكان غزة الذين يعانون من نقص في المأوى والمساعدات والطعام أكثر من العام الماضي.
ومع نزوح 90% من سكان القطاع البالغ عددهم 1.2 مليون نسمة، معظمهم بلا مأوى أو ممتلكات سوى الملابس التي يرتدونها، أصبح الغزيون مكشوفين ومذعورين، وقال جوناثان كريك، المتحدث باسم اليونيسف في القدس: “فرقنا على الأرض تتساءل هل الأطفال يرتجفون من الخوف من القصف أم من البرد؟”.
الشتاء الثاني في زمن الحرب يبدو أشد قسوة، وفقًا لكريك، لأن معظم البنية التحتية في غزة دُمرت الآن. وأضاف: “عندما بدأ الشتاء في غزة العام الماضي، كان معظم السكان قد نزحوا إلى رفح. ورغم أن المدينة لم تكن مجهزة لاستضافة هذا العدد الكبير من الناس، إلا أنه كان لا يزال هناك بعض المباني والمدارس التي تحولت إلى ملاجئ”.
وكانت حالة الغزيين الصحية أفضل في العام الماضي، لكن الآن ومع السماح بإدخال كميات محدودة جدًا من المساعدات، مقارنة بما كان يحتاجه القطاع قبل الحرب، بات الفلسطينيون أكثر ضعفًا، وقال كريك: “الناس متعبون للغاية، ونظامهم المناعي يضعف. لقد تعرضوا للجوع لفترة أطول بكثير مما كانوا عليه في بداية الحرب. الوضع الآن أسوأ بكثير من شتاء العام الماضي”.
وفي أحد مراكز الأمم المتحدة في دير البلح، أشار كريك إلى أن 300 حالة من مرض الجدري تم اكتشافها بسبب نقص المياه والصابون للنظافة الشخصية، والمساحات الضيقة.
وكانت المنظمات الإنسانية قد حذرت في نوفمبر الماضي من أن شتاء غزة هذا العام يعد “قنبلة موقوتة”. حيث دمرت الأمطار الغزيرة في الشهر الماضي بعض الخيام، بينما غمرت مياه البحر الخيام في المناطق الساحلية بعد المد العالي.
وحذرت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من أن نحو مليون شخص مهددون بالتعرض لعوامل الطقس القاسية، في وقت لا يتم فيه تلبية أكثر من 20% من احتياجاتهم. وقالت لويس وتريدج، مسؤولة الطوارئ في الأونروا، لـ ذا ناشيونال: “مدة الانتظار لعبور شاحنات المساعدات إلى غزة تتجاوز 74 يومًا، وبعضها عالق في عمان منذ أغسطس”.
وأضافت: “مع سرعة دخول المساعدات الحالية، سيستغرق الأمر نحو عامين لدخول جميع مستلزمات الشتاء إلى القطاع”.
وتسترجع تهاني حماد، البالغة من العمر 25 عامًا، والتي نزحت مع عائلتها من جباليا في الشمال إلى رفح في الجنوب، كيف كانت تنتظر بفارغ الصبر موسم الأمطار لتجلس بجانب نافذتها وتراقب العاصفة، لكن الآن، لا تجلب لها الأمطار سوى القلق. وقالت : “الآن، إذا سمعت أن المطر قادم، لا أستطيع النوم من الخوف أن يغرق المطر ممتلكاتنا”.
لقد استأجرت منزلاً بعد أن اضطرت للفرار من منزلها، ولكنها انتهت في خيمة بعد أن بدأ القصف الإسرائيلي العنيف في مايو. وأضافت: “لا شيء يمكن أن يحمي من المياه التي تدخل. بعد خمسة أيام فقط من المطر هذا الموسم، غرقت خيمتي بالفعل، وأشعر بالعجز أمام البرد ولا أستطيع حماية أطفالي”. وأضافت: “لقد سرقت الحرب دفء منازلنا وقلوبنا”.
ومن جانبه، قال محمد أبو الجيدان، الذي يختبئ في خيمة مع زوجته وثلاث بنات في مدينة غزة: “عندما يهطل المطر الغزير، تتضرر الأشياء وتغمرها المياه، وتطفو مياه الصرف الصحي على المخيمات”.
وأدى الحصار الإسرائيلي على الوقود إلى توقف خدمات حيوية مثل جمع النفايات ومعالجة مياه الصرف الصحي، مما جعل الفيضانات بيئة خصبة للأمراض، حسبما أفادت لجنة الإنقاذ الدولية.
وأضاف أبو الجيدان، الذي يرى بناته يخرجن في الليل لاستخدام الحمام في الهواء الطلق: “إنهن يرتجفن من البرد القارس، وأنا أخشى عليهن في كل مرة يخرجن فيها من الخيمة بلا ملابس دافئة أو أغطية تحمي من قسوة الشتاء”.
ومن جانبها، قالت منيرة أبو عواد، البالغة من العمر 37 عامًا وأم لخمسة أطفال، وتقيم في منزل في مغازي: “ما زالت ذكرى الشتاءات الماضية التي كانت مليئة بالدفء واضحة في ذهني. قبل الحرب، كنا نجتمع كعائلة، نطهو أطيب الوجبات الدافئة ونشاركها في جو من الفرح والحميمية”، لكن كل شيء تغير منذ بدء الحرب. حتى الطهي أصبح صراعًا.
وأوضحت: “لا يوجد غاز أو حطب للطهي بسبب الحصار والقيود الإسرائيلية، والعديد من السلع غير متوفرة في الأسواق”.
وقالت: “الأمر الأسوأ هو غياب راحة البال التي سلبت منا القدرة على إيجاد السعادة في أبسط الأمور”. وأضافت: “لحسن الحظ، ما زلنا نعيش في منزلنا رغم الأضرار التي لحقت به. مقارنة بالكثيرين الذين يعيشون في الخيام خلال هذه الليالي الباردة، وضعنا أفضل، ولكن العديد من جوانب الحياة اختفت بطريقة مرعبة، ولا يمكننا إعادتها لأن الاحتلال دمر كل شيء”.
أما أحمد مصطفى، البالغ من العمر 34 عامًا، الذي يعيش في مخيم النصيرات في وسط غزة مع أسرته المكونة من ستة أفراد، فقال: “لقد أخذت الحرب منا الطعام والشراب والأشخاص الذين كنا نلتقي بهم في أمسيات الشتاء. بعض هؤلاء الأشخاص أصبحوا شهداء، وآخرون تم تهجيرهم”. وأضاف: “كنا نظن أن تلك الأيام لن تنتهي أبدًا”.
