زاوية الاخبار ٤ دقائق قراءة

تحقيق يكشف تبخّر جثامين آلاف القتلى في غزة

كشف تحقيق استقصائي صادم بثّه برنامج “للقصة بقية” على شاشة الجزيرة عن شهادات ميدانية وتقارير رسمية توثّق اختفاء جثامين آلاف القتلى في قطاع غزة، في وقائع تُعزى إلى استخدام جيش الاحتلال الإسرائيلي أسلحة ذات تأثيرات حرارية وفراغية مدمّرة ومحظورة دوليا.

وبيّن تحقيق “المتبخرون”، الذي عُرض مساء الاثنين، أن تقارير صادرة عن الدفاع المدني في غزة، إلى جانب إفادات مسعفين وأهالٍ، وثّقت تبخّر جثامين ما لا يقل عن 2842 قتيلا، دون العثور على أي أثر لهم في مواقع الاستهداف، باستثناء رذاذ دماء وبقايا بشرية ضئيلة.

وأظهرت المعطيات أن هذه الضربات نُفذت باستخدام متفجرات حرارية وفراغية عالية التأثير، تولّد درجات حرارة قد تصل إلى 3500 درجة مئوية، مصحوبة بضغط هائل يؤدي إلى تبخر السوائل داخل الجسم وتحلل الأنسجة وتحولها إلى رماد.

ونقل التحقيق شهادات إنسانية موجعة، من بينها شهادة المواطن رفيق بدران، الذي أفاد بتبخر جثامين أطفاله الأربعة خلال قصف عنيف دمّر عشرات المنازل، مؤكدا أنه لم يعثر سوى على ما وصفه بـ”رمل أسود” وبقايا متناثرة في موقع الاستهداف.

كما روت ياسمين، والدة القتيل سعد، تفاصيل بحثها الطويل عن جثمان ابنها في المستشفيات وثلاجات الموتى والمساجد، عقب قصف مدرسة التابعين في حي الدرج شرقي مدينة غزة، قبل أن يتأكد لاحقا أنه اختفى بالكامل دون أن يُعثر له على أي أثر.

وأكد الدفاع المدني في غزة، على لسان المتحدث باسمه الرائد محمود بصل، أن طواقمه واجهت مرارا بلاغات تفيد بوجود عدد محدد من الأشخاص داخل منازل مستهدفة، بينما تُنتشل جثامين أقل من العدد الموثق، ما قاد إلى استنتاج أن بعض الجثامين “تبخرت بالكامل”، واصفا هذه الظاهرة بأنها غير مسبوقة في العمل الميداني قبل هذه الحرب.

وعرض التحقيق، في جانبه التقني، آراء خبراء من بينهم يسري أبو شادي، كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقا، الذي أوضح أن الأسلحة التي تجمع بين حرارة فائقة وضغط مرتفع قادرة على تدمير الخلايا البشرية وإفنائها كليا.

وأشار أبو شادي إلى أن ظاهرة تبخر الجثامين ليست جديدة في تاريخ الحروب الحديثة، لافتا إلى تسجيل حالات مماثلة خلال الغزو الأميركي للعراق، ولا سيما في معارك الفلوجة عامي 2004 و2005، حين استُخدمت أسلحة عالية التأثير الحراري أدت إلى تفحّم أو اختفاء كامل لأجساد الضحايا.

وشدد الخبير على أن ما جرى في العراق خضع لاحقا لتحقيقات دولية، مؤكدا أن تكرار النمط ذاته في غزة يعزّز فرضية استخدام الاحتلال أسلحة محظورة دوليا، يمكن البناء عليها قانونيا لملاحقة المسؤولين باعتبارها جرائم حرب مكتملة الأركان.

بدوره، أوضح المدير العام لوزارة الصحة في غزة الدكتور منير البرش أن جسم الإنسان يتكوّن بنسبة تقارب 80 بالمئة من الماء، ما يجعل تعرضه لحرارة شديدة وضغط مرتفع وأكسدة عالية سببا مباشرا لتبخره بالكامل.

وتتبع التحقيق أنواعا محددة من الذخائر يُشتبه في استخدامها، من بينها قنابل أميركية الصنع مثل (إم كي 84) المعروفة بـ”المطرقة”، و(BLU-109) الخارقة للتحصينات، إضافة إلى قنابل دقيقة التوجيه (GBU-39) وصواريخ “هيلفاير”، وهي ذخائر تُحدث انفجارات عالية الحرارة داخل الأماكن المغلقة، مع دمار ظاهري محدود مقابل فتك واسع بالأرواح.

واستند التحقيق إلى دراسات علمية منشورة، من بينها أبحاث على موقع “ساينس دايركت”، تؤكد أن المتفجرات الحرارية الفراغية تفوق القنابل التقليدية بما يصل إلى خمسة أضعاف، وتعمل عبر ثلاث مراحل قاتلة تشمل موجة حرارية فائقة، تليها موجات ضغط عنيفة، ثم كرة نارية تنتشر داخل الفراغات المغلقة وتحرق كل ما تصل إليه.

وفي البعد القانوني، أشار التحقيق إلى أن استخدام هذه الأسلحة في مناطق مكتظة بالسكان يثير شكوكا جدية بشأن انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما مبدأي التمييز والتناسب، رغم النفي الإسرائيلي الرسمي لاستخدام أسلحة محرّمة.

وذكّر التحقيق بأن منظمات دولية، من بينها منظمة العفو الدولية، سبق أن وثّقت في تقارير لها استخدام بعض هذه الذخائر في غزة، ما يعزّز المطالب بفتح تحقيقات مستقلة.

ومع تكرار مشاهد تلاشي الجثامين، طرح التحقيق تساؤلات جوهرية حول أسباب هذا النمط المتكرر من اختفاء الأجساد، ومصير المحاسبة القانونية عن جرائم تمحو الإنسان حتى من حقه في جثمان يُدفن.

وفي سياق متصل، أعلن مدير جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة العميد رائد الدهشان مطلع العام الحالي أن نحو 10 آلاف جثمان لا تزال تحت الأنقاض، مؤكدا أن منع الاحتلال إدخال الآليات والمعدات الثقيلة يعيق عمليات الانتشال.

وفي أحدث إحصاءاتها، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة الاثنين ارتفاع حصيلة قتلى حرب الإبادة الإسرائيلية إلى 72 ألفا و32 قتيلا، إضافة إلى 171 ألفا و661 مصابا، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

اقرأ أيضاً

الرئيسية