زاوية الاخبار ٣ دقائق قراءة

تراجع الخصوبة وشيخوخة السكان في منظور حقوقي عالمي

أظهرت معطيات دولية تراجع معدلات الخصوبة وتسارع شيخوخة السكان، في سياق توقعات بوصول عدد سكان العالم إلى ذروته عند أكثر من 10 مليارات نسمة بحلول عام 2080، قبل أن يبدأ بالانخفاض التدريجي.

يعكس هذا المسار انتقالا بنيويا في تركيبة السكان، حيث يتباطأ النمو العددي مقابل اتساع الفئات العمرية الأكبر سنا، بما يفرض إعادة تعريف الأولويات الاقتصادية والاجتماعية ضمن إطار يوازن بين الكفاءة والعدالة.

وعرض تقرير عرضته الجزيرة ملامح هذه المرحلة الجديدة، موضحا أن العالم يدخل طورا تتغير فيه معادلة التوازن بين الأجيال، مع تزايد أعداد كبار السن بشكل ملحوظ، خاصة في دول مثل الصين واليابان. لا يقتصر هذا التحول على الأرقام، بل يمتد إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، خصوصا في ما يتعلق بحقوق الفئات العمرية المختلفة وضمان الحماية الاجتماعية الشاملة.

تقف الصين في قلب هذا التحول، حيث تواجه أزمة سكانية متصاعدة رغم إنهاء سياسة الطفل الواحد قبل نحو عقد. سجلت البلاد في عام 2025 أكبر انخفاض سنوي في عدد السكان منذ المجاعة الكبرى في ستينيات القرن الماضي، كما فقدت موقعها كأكبر دولة من حيث عدد السكان لصالح الهند عام 2023. تعكس هذه المؤشرات تحولا هيكليا يضع ضغوطا على سوق العمل ويقلص القاعدة الإنتاجية، ما يهدد استدامة النمو ويعيد طرح مسألة العدالة بين الأجيال في توزيع الموارد والفرص.

تمتد التداعيات إلى البعد الاقتصادي، حيث يرتبط انخفاض الخصوبة بتراجع حجم القوة العاملة وارتفاع نسب الإعالة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تباطؤ النمو طويل الأجل، ويحد من القدرة التنافسية في الاقتصاد العالمي. في هذا السياق، يبرز البعد الحقوقي بوضوح، إذ يفرض الواقع الجديد التزاما بتعزيز الحق في العمل اللائق، وضمان نظم تقاعد عادلة، وتوفير خدمات صحية مستدامة تستجيب لاحتياجات كبار السن دون الإخلال بحقوق الأجيال الشابة.

يرتبط هذا التحول بمجموعة عوامل متداخلة، تشمل انخفاض معدلات الولادة مقابل ارتفاع الوفيات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتأخر سن الزواج، وتغير أولويات الأجيال الشابة. تقدم كوريا الجنوبية نموذجا حادا لهذه الظاهرة، حيث سجلت أدنى معدل خصوبة عالمي بنحو 0.7 طفل لكل امرأة، ما يعكس تحولا ثقافيا واقتصاديا عميقا يضع الأسرة في مواجهة تحديات معيشية وضغوط اجتماعية متزايدة.

على المستوى العالمي، لم يتوقف النمو السكاني، لكنه أصبح أكثر تمركزا في عدد محدود من الدول، مع توقع أن يأتي أكثر من نصف الزيادة السكانية حتى عام 2050 من ثماني دول فقط، بينها مصر والهند ونيجيريا. يطرح هذا التفاوت تحديات مرتبطة بالعدالة التنموية وتكافؤ الفرص، حيث تتزايد الفجوة بين مجتمعات شابة تعاني ضغط النمو، وأخرى مسنة تواجه تحديات الانكماش.

يتسارع منحنى شيخوخة السكان على نحو لافت، مع توقع ارتفاع نسبة من تجاوزوا سن 65 إلى نحو 16% بحلول عام 2050، ووصول عدد من هم فوق 60 عاما إلى قرابة 1.4 مليار شخص بحلول عام 2030. في العالم العربي، تبلغ نسبة كبار السن حاليا نحو 6%، مع توقع ارتفاعها إلى قرابة 10% بحلول عام 2030، ما يفرض ضغوطا متزايدة على أنظمة الرعاية الصحية والتقاعد، ويستدعي سياسات تضمن الكرامة والاستقلالية لهذه الفئة ضمن مقاربة حقوقية واضحة.

تمتد التحديات إلى سوق العمل، حيث يتقاطع التراجع الديموغرافي مع تسارع الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل هيكل الوظائف وزيادة احتمالات البطالة في بعض القطاعات. يفرض هذا الواقع تبني سياسات انتقال عادل تضمن الحق في إعادة التأهيل المهني والحماية من الإقصاء الاقتصادي.

يفتح هذا المشهد أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل الحقوق الاجتماعية، من بينها آليات دعم الأسرة وتشجيع الإنجاب دون المساس بحرية الأفراد، وضمان رعاية مستدامة لكبار السن في ظل تقلص شبكات الدعم التقليدية. يتطلب التعامل مع هذه التحولات مقاربة شاملة تضع الإنسان في مركز السياسات، وتوازن بين متطلبات التنمية وحقوق الأجيال المتعاقبة.

اقرأ أيضاً

الرئيسية