بعد أكثر من عقد من الصراع، لا تزال سوريا تغرق في أزمات إنسانية متراكبة، حيث تتوالى موجات النزوح السكاني، وتتزايد المخاطر الناتجة عن مخلفات الحرب، وسط عجز دولي متصاعد عن توفير التمويل الكافي لعمليات الإغاثة.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فقد شهدت البلاد منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2024 نزوح أكثر من 670 ألف شخص، في حين عاد أكثر من مليون نازح إلى مناطقهم الأصلية، في حراك سكاني يعكس هشاشة الوضع الأمني والمعيشي.
رغم أن أرقام العائدين تفوق أرقام النازحين خلال الفترة نفسها، إلا أن هذا لا يعكس بالضرورة تحسناً في الأوضاع، بل قد يشير إلى إجبار كثير من العائلات على العودة إلى مناطق غير آمنة أو مدمّرة، بفعل الضغط الاقتصادي أو انعدام البدائل.
ويفاقم من تعقيد هذا الواقع الانتشار الواسع للذخائر غير المنفجرة والألغام ومخلفات الحرب الأخرى، التي تحوّلت إلى شَرَكٍ قاتل في العديد من المناطق.
فمنذ الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، تم توثيق أكثر من 900 إصابة بين المدنيين، بينها 367 حالة وفاة و542 إصابة خطيرة.
وتشير البيانات إلى أن الأطفال يشكّلون أكثر من ثلث هذه الضحايا، ما يعكس الحجم الكارثي لهذا الخطر الصامت الذي يهدد الحياة اليومية للسكان، خصوصاً في المناطق الريفية والمزارع وطرق العودة.
الألغام ومخلفات الحرب ليست مجرد إرث من النزاع، بل هي سلاح يستمر في الفتك بعد توقف المعارك. فغياب خرائط دقيقة لحقول الألغام، وتداخل خطوط النزاع السابقة، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، يجعل من عمليات الإزالة مهمة شاقة ومكلفة.
ورغم الجهود المبذولة من قبل منظمات دولية ومحلية، إلا أن حجم التلوث الحربي يفوق القدرات الحالية بكثير.
على الجانب الآخر، تعاني المنظومة الإنسانية العاملة في سوريا من ضائقة تمويلية شديدة. ففي النصف الأول من عام 2025، سعت الأمم المتحدة وشركاؤها إلى جمع ملياري دولار لتقديم مساعدات لـ 8 ملايين شخص، لكن تمويل النداء لم يتجاوز 10%، أي ما يعادل 204 ملايين دولار فقط.
هذا العجز الخطير يهدد بتقليص أو توقف العديد من البرامج الحيوية التي تشمل تقديم الغذاء والماء والرعاية الصحية والتعليم والدعم النفسي والاجتماعي، في بلد يعيش فيه أكثر من 15 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة.
أسباب ضعف التمويل متعددة، من بينها تراجع أولويات الملف السوري على أجندة الدول المانحة، خصوصاً في ظل أزمات إنسانية جديدة تستقطب اهتمام العالم، مثل أوكرانيا وغزة والسودان. كما أن غياب أفق سياسي للحل في سوريا وفقدان الثقة بفاعلية المساعدات بسبب ضعف التنسيق بين أطراف النزاع، يضعف من اندفاع المانحين.
لكن على الرغم من هذه التحديات، تواصل الأمم المتحدة والمنظمات الشريكة عملها في مناطق متفرقة من البلاد، عبر برامج تهدف إلى دعم المجتمعات المحلية وتحسين ظروف النازحين والعائدين.
وتشمل هذه البرامج تقديم المساعدات الغذائية والتغذوية، دعم فرص كسب العيش، ترميم مصادر المياه، وتوفير خدمات التعليم والرعاية الصحية الأساسية.
ورغم أهمية هذه الجهود، إلا أن تأثيرها يظل محدوداً ما لم تُعالج جذور الأزمة، وفي مقدمتها استمرار حالة الجمود السياسي، وغياب الحد الأدنى من التوافق الوطني على إدارة المرحلة الانتقالية.
كما أن بقاء سوريا ساحة لصراع إقليمي ودولي بالوكالة، يحول دون استعادة الأمن والاستقرار بشكل مستدام، ويُبقي المدنيين رهائن لعنف مادي ومعنوي مستمر.
في هذا السياق، تبدو الحاجة ماسّة إلى مقاربة جديدة للأزمة السورية، تُعيد الاعتبار للبعد الإنساني كأولوية، وتعترف بأن إنقاذ الأرواح وبناء الحد الأدنى من الحياة الكريمة للسكان ليس ترفاً سياسياً، بل شرطاً لأي تسوية مستقبلية قابلة للحياة.
فاستمرار إهمال الوضع الإنساني في سوريا لن يُنتج سوى مزيد من النزوح، والفقر، والتطرّف، والانهيار المجتمعي، وهو ما سيُصدّر الأزمات إلى الإقليم وما بعده.
إن سوريا اليوم بحاجة إلى دعم دولي طارئ، ولكنها أيضاً بحاجة إلى مسؤولية عربية فاعلة، تعيد وضع الأزمة السورية في صدارة الأجندة، وتدفع باتجاه حلول إنسانية عاجلة، بعيداً عن الاصطفافات السياسية أو الحسابات الضيقة. فترك ملايين السوريين في العراء، بين الألغام والفقر، هو وصمة في جبين المجتمع الدولي، وجرح مفتوح في خاصرة المنطقة بأكملها.
