في قطاع غزة المحاصر والممزق بالحرب، لا يحمل النازحون أمتعتهم فقط، بل يحملون معهم ما هو أثمن: ذاكرتهم، ثقافتهم، وشغفهم بالحياة.
وبين مئات آلاف الخيام التي نصبت في ساحات المدارس والميادين، اختار أحمد أبو عمشة – وهو مدرس موسيقى نزح من بلدة بيت حانون – أن يقاوم بطريقته الخاصة: لا بالسلاح، بل بالعود والكمان والناي.
لم يكن قرار أبو عمشة بتحويل خيمته إلى مساحة فنية للأطفال فعلاً عابراً. ففي واقع أُفرغ من كل مقومات الحياة، يصبح العمل الثقافي مقاومة.
يقول أحمد: “ليس لدينا ما نمنحه لهؤلاء الأطفال سوى لحظة فرح وسط الدمار. قررت أن أقاوم بطريقتي، أن أعلّمهم كيف يعبّرون عن أنفسهم، أن نغني كي لا نصمت“.
من خلال مبادرة فردية، أنشأ أبو عمشة مجموعة موسيقية أطلق عليها اسم “طيور غزة تغني“، ضمّت أطفالاً نازحين التقاهم في أماكن النزوح المؤقت.
راح يدرّبهم على الأغاني الوطنية والتراثية وأغاني السلام، في محاولة لخلق لغة بديلة لمقاومة الخوف. ليس غريباً أن تحظى هذه الحفلات الصغيرة بتفاعل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تمثل تعبيراً نادراً عن الحياة في بيئة تشبه الموت.
ما يفعله أحمد لا يتوقف عند حدود التعليم الموسيقي. هو يعيد بناء ما دمّرته الحرب: الروح الجماعية، الإبداع، الثقة، والحق في الفرح. وفي ظل غياب المدارس، وانهيار البنية التعليمية، باتت خيمته منصة ثقافية بديلة، ومنبراً للتنفيس النفسي للأطفال.
ابنته يارا، التي تتدرب على الكمان، تقول إن الموسيقى أصبحت ملاذها كلما نزحت العائلة من مكان إلى آخر. وفي شهادة أخرى، يروي معين أبو عمشة كيف يرافقه نايه في كل رحلة نزوح، لأنه “ينسيه أصوات القصف“.
هذه القصص الفردية، وإن بدت بسيطة، تحمل رمزية عالية. فهي تكشف أن لدى الفلسطينيين في غزة قدرة مذهلة على تحويل أدوات الحياة اليومية إلى وسائل مقاومة. فالموسيقى هنا ليست ترفاً، بل رد على القصف، وصوت يعلو فوق الدمار.
في خلفية هذه القصة تحضر تجربة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، الذي أسّس إلى جانب الموسيقار دانيال بارينبويم مشروع “الديـوان الغربي الشرقي“. المشروع الذي قام على الإيمان بأن الفن يمكن أن يكون مساحة لقاء في زمن التنافر، وأن الثقافة يمكن أن تعيد ترميم ما تهدمه السياسة.
أحمد أبو عمشة لم يقرأ نظريات سعيد ربما، لكنه يجسدها على الأرض: فبين أيدي الأطفال النازحين، تصبح الآلات الموسيقية امتداداً للأمل، والأغنية رسالة تقول: لسنا ضحايا فحسب، بل أصحاب صوت، وحلم، وحق في الحياة.
