مخيمات النازحين في اليمن
زاوية الاخبار ٤ دقائق قراءة

في مخيمات اليمن: القابلات يواجهن تحديات لضمان ولادات آمنة في ظل الظروف القاسية

كانت خيام مخيم السمّية في مارب تتمايل بعنف تحت برودة ليالي الشتاء القاسية في اليمن، التي تتراوح درجات حرارتها بين 5 و8 درجات مئوية.

في تلك الليلة المتأخرة، كانت معظم الأسر قد لجأت إلى دفء ملاجئها الهشة، إلا أن الرياح العاتية كانت تكسرها بين الحين والآخر، لتكشف عن أنين امرأة شابة.

وكانت وفاء سعيد، البالغة من العمر 26 عامًا، تعاني من فقر الدم الشديد بسبب الظروف القاسية في المخيم، وفي تلك الليلة كانت في مخاض، لم يكن لديها سوى خيمة لتكون مأوى لها، ولا من يعينها سوى رايسة ربيعي، القابلة الوحيدة في المخيم التي تطوعت للعمل رغم الظروف الصعبة.

وتم استدعاء رايسة إلى خيمة سعيد، التي تبعد عدة كيلومترات عن خيمتها، ولم يكن أمامها خيار سوى السير لمدة 45 دقيقة على الأقدام، حيث لا توجد سيارات إسعاف في المخيم. ورغم نقص المعدات الطبية، والإضاءة الخافتة للمصابيح، والبرد القارس، استطاعت رايسة أن تُجري الولادة بنجاح بعد ثلاث ساعات من الجهود المستمرة، لتضمن سلامة الأم وطفلها.

وقالت وفاء: “رايسة ومن أمثالها تطوعن بوقتهن ومواردهن رغم قلة ما لديهن. بدونهن، لا أعرف كيف كنت سأتمكن من المرور بتلك اللحظات”.

وتعمل القابلات في مخيمات النزوح بمأرب، التي تعد موطنًا لحوالي 1.6 مليون نازح داخلي، في ظروف شديدة الصعوبة، حيث تنعدم الخدمات الصحية الأساسية مثل الرعاية الصحية الأولية، والطب الطارئ، ورعاية النساء والولادة.

وتحدثت رايسة عن التحديات التي تواجهها: “الولادات تحدث في ظروف قاسية، باستخدام أدوات بدائية، مما يزيد من مخاطر العدوى والمضاعفات. بالنسبة لوفاء، كانت الولادة في المستشفى الخيار الأكثر أمانًا، لكن الفقر جعل ذلك مستحيلًا”.

وتُضطر القابلات مثل رايسة للسفر مسافات طويلة سيرًا على الأقدام للوصول إلى مريضاتهن، وغالبًا ما يصلن متأخرات لمنع المضاعفات الصحية بسبب نقص المعدات الطبية الأساسية مثل أجهزة الموجات فوق الصوتية وقياس الضغط، بالإضافة إلى ضعف الدعم من شبكة صحية أكبر.

ورغم هذه التحديات، لا تزال رايسة مصممة على تقديم الرعاية لأعداد تتراوح بين 18 و50 امرأة شهريًا يفتقرن إلى أدنى مستويات الرعاية الصحية الأمومية.

ومن جهتها، ترى القابلة صباح عبد الله عملها كجزء من معركة جماعية لتقديم الرعاية المنقذة للحياة في ظل ظروف مأساوية.

وقالت عبد الله: “العائلات في المخيمات تواجه تحديات كبيرة، ولا توجد منشآت صحية مجهزة بشكل مناسب، والنساء بحاجة ماسة إلى المعدات الطبية، والأدوية، والدعم الغذائي لحماية أنفسهن وأطفالهن”.

وفي مخيم يضم أكثر من 1,200 أسرة، يوجد فقط وحدة صحية صغيرة يعمل بها ثلاثة أشخاص فقط، كثير من النساء يتجنبن الذهاب إلى هذه الوحدة الصحية لأنها غير مجهزة، ويفضلن القابلات الإناث بدلاً من الطبيب الذكر الذي يعمل هناك.

وأضافت رايسة: “النساء يثقن بنا، ودورنا لا يقتصر على الرعاية الصحية فقط، بل نحن جزء من المجتمع، ونساعد النساء في استعادة ثقتهن بأنفسهن”.

وتعتبر معاناة النساء الحوامل في مناطق النزاع باليمن، وخصوصًا في المخيمات مثل مخيمات مأرب، “مأساوية” بحسب رايسة، إذ أن غياب الدعم الطبي المنقذ للحياة أثناء الولادة دفع بالقابلات إلى أن يكنّ الخيار الوحيد المتاح للأمهات في تلك الظروف الصعبة.

وبدأت رايسة مسيرتها في العمل كقابلة منذ عقدين في منطقة صرواح، حيث التحقت ببرنامج تدريبي لسد النقص في الرعاية الصحية الأمومية في مجتمعها. في ذلك الوقت، كانت الأعراف الثقافية الراسخة تمنع النساء من طلب الرعاية الصحية من طبيب نساء أجنبي كان الوحيد في المنطقة، مما جعل القابلات “الخيار الأكثر موثوقية” للمجتمع.

وعلى الرغم من أنها تشعر بالمسؤولية الشخصية تجاه عملها، إلا أن رايسة تدفع ثمنًا كبيرًا من حياتها الخاصة، حيث تضحّي بوقتها مع أسرتها. وهي الآن تعمل تطوعًا في مخيم السمّية، متوازنة بين دورها كمربية وزوجة وأم.

وقالت: “زوجي كان أكبر داعم لي، وأبنائي يساعدونني في الأعمال المنزلية، مما يتيح لي الوقت لخدمة الآخرين”.

وتعد مدينة مأرب، التي كانت تُعتبر ملاذًا نسبيًا في بداية النزاع، قد تأثرت بشكل كبير بزيادة عدد النازحين منذ 2023، مما أدى إلى نقص حاد في الموارد من غذاء ومياه وخدمات صحية.

ويعاني حوالي 4,000 امرأة حامل في مأرب من مضاعفات صحية خطيرة بسبب نقص الرعاية الصحية، ويعيش حوالي 69% من سكان المخيمات دون وجود عيادات طبية تعمل بشكل جيد.

ويقدر صندوق الأمم المتحدة للسكان أن حوالي 12.6 مليون امرأة في اليمن بحاجة إلى خدمات صحية إنجابية منقذة للحياة، وأن 114,000 منهن مهددات بمضاعفات خطيرة أثناء الولادة.

ومع ذلك، تبقى النساء مثل وفاء سعيد يعتمدن على القابلات والمساعدات المحلية والموظفين الصحيين في المخيمات للحصول على الرعاية المنقذة للحياة في هذه الظروف القاسية.

اقرأ أيضاً

الرئيسية