منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، قُتل أكثر من 130 صحفيًا فلسطينيًا، في حصيلة وصفتها منظمات دولية بأنها الأسوأ عالميًا خلال عقود بحق العاملين في القطاع الإعلامي، مؤكدة أن إسرائيل انتهكت بشكل منهجي القوانين والمواثيق الدولية المتعلقة بحرية الصحافة وحماية الصحفيين في مناطق النزاع.
وقد وثّقت مؤسسات حقوقية وإعلامية فلسطينية ودولية، بينها مراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين وهيومن رايتس ووتش، نمطًا متكررًا من الاستهداف المباشر وغير العشوائي للصحفيين والعاملين في مجال التغطية الميدانية.
وشملت الانتهاكات عمليات قصف متعمد لمقار إعلامية، واغتيالات بطائرات مسيّرة، وقنص صحفيين يحملون شارات مهنية واضحة، فضلًا عن القتل أثناء تغطيات إنسانية أو مرافقة طواقم إنقاذ وطبية.
وتُظهر الإحصاءات الميدانية أن أكثر من 80% من الشهداء الصحفيين قضوا في مواقع عملهم أو داخل منازلهم التي تعرضت للقصف دون إنذار مسبق، في حين أُصيب عشرات آخرون بجروح خطيرة، بعضها تسبب في إعاقات دائمة. كما تم توثيق حالات احتجاز وتعذيب وتهديدات بالتصفية استهدفت صحفيين في الضفة الغربية وداخل أراضي 48.
وبينما يفترض أن الصحفيين يتمتعون بحماية خاصة بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، فإن ما يجري – بحسب مراقبين – يُعد “استباحة كاملة للصحافة الفلسطينية“، ومحاولة ممنهجة لإسكات الصوت الفلسطيني وتغييب الشهود على الجرائم اليومية بحق المدنيين في غزة.
يقول مركز حماية الصحفيين الفلسطينيين (PJPC) إن إسرائيل “تتعمد إقصاء كل من يحمل كاميرا أو قلمًا“، مشيرًا إلى أن القصف غالبًا ما يستهدف التجمعات الصحفية ومقار المؤسسات الإعلامية، حتى تلك التي تحمل تراخيصًا دولية أو تعمل بشراكة مع وكالات غربية.
جريمة مستمرة وصمت دولي
ورغم حجم الكارثة، فإن المجتمع الدولي، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة، لم يقدّم سوى بيانات إدانة خجولة، دون اتخاذ خطوات جدية لوقف استهداف الصحفيين أو محاسبة المسؤولين الإسرائيليين.
وأكدت الناطقة باسم مفوضية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، في بيان سابق، أن استهداف الصحفيين يشكل “انتهاكًا جسيمًا لاتفاقيات جنيف، وقد يرقى إلى جريمة حرب“، مطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل.
وتُحمّل منظمات حقوقية إسرائيل المسؤولية الكاملة عن ارتكاب “جريمة ممنهجة ضد حرية الصحافة“، وتطالب المحكمة الجنائية الدولية بتوسيع تحقيقاتها في الجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية، لتشمل ملف الصحفيين المستهدفين.
شهادات من قلب الخطر
يقول المصور الصحفي علاء الجرجاوي، أحد الناجين من قصف طال طاقم قناة محلية شرق غزة: “استهدفونا ونحن نقف بوضوح في منطقة مفتوحة، كنا نرتدي سترات الصحافة وخوذ الحماية، لكن الطائرة قصفتنا بعد 3 دقائق فقط من بدء التصوير، سقط اثنان من زملائي أمام عيني“.
أما الصحفية رزان النجار، التي فقدت زوجها المصور الصحفي أحمد النجار في قصف استهدف منزله في خانيونس، فتقول: “كان أحمد يوثّق المجازر على مدار الساعة، رغم الخطر. قُتل وهو يحمّل تسجيلاته الأخيرة على الحاسوب، لم تكن هناك مقاومة أو هدف عسكري، بل استهداف صريح لرسالة الكاميرا“.
تدمير البنية الإعلامية
إلى جانب القتل، دمّرت إسرائيل بشكل ممنهج البنية الإعلامية الفلسطينية، إذ تم قصف أكثر من 70 مقرًا إعلاميًا في غزة، بينها مكاتب لشبكات عالمية مثل الجزيرة، وبي بي سي، وأسوشيتد برس. كما تم قطع الاتصالات والإنترنت عن مناطق واسعة، ما تسبب في عزل غزة إعلاميًا لفترات طويلة.
وتعرّضت آلاف المواد الأرشيفية المرئية والمكتوبة للتلف نتيجة القصف، ما يُمثّل ضربة مزدوجة لمهنة الصحافة والذاكرة الوطنية الفلسطينية.
وقد دعت أكثر من 200 مؤسسة إعلامية ونقابة صحفية إلى تشكيل لجنة دولية عاجلة لحماية الصحفيين الفلسطينيين، والعمل على توفير ممرات آمنة لهم، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات في المحاكم الدولية المختصة.
