يدخل جنوب السودان مرحلة خطيرة من عدم الاستقرار تختزلها ثلاثة عناصر متداخلة: تآكل التزام أطراف الاتفاق السياسي، تجدد الاشتباكات المسلحة على جبهات متعددة، وانهيارٍ متسارع في المعايير الإنسانية.
فما كان يُعَدّ منذ 2018 «اتفاق سلام منشط» لضمان تجنّب العودة إلى الحرب الأهلية، بات اليوم في خانة الضياع الوارد؛ ما يضع البلاد على حافة «نقطة انهيار» حقيقية قد تُعيد الكارثة إلى حجمها الأكبر.
أول أسباب التدهور سياسي: التفكك التدريجي لهياكل المشاركة والشمول التي بُني عليها الاتفاق. بنود تقاسم السلطة والأمن — قلب الاتفاق — لم تعد تُطبّق بفعالية. تغييرات سياسية أدّت إلى إضعاف مؤسسات الحكم، واعتقالات ومحاكمات لقيادات معارضة صارت تغذي مناخًا قطبيًا يقوّض الثقة المتبادلة.
وفيما تتقدّم عجلة الانتخابات المقررة في ديسمبر 2026، فإن التنافس السياسي يهدّد بتحويل هذه الانتخابات من أداة لترسيخ السلم إلى وقودٍ لانفجار جديد للعنف.
العنصر الثاني هو تجدد العنف العسكري وانتشاره. الاشتباكات لم تعد محصورة في جيوب محددة؛ أصبحت عمليات القصف الجوي والاشتباكات النهرية والكمائن والهجمات الانتقامية تتكرر في ولايات جونقلي والوحدة وأعالي النيل.
المدنيون هم الضحية الأولى: إصابات، نزوح جماعي، فقدان سبل العيش ودمار بنى تحتية أساسية. تقارير المجتمع المدني تُشير بوضوح إلى «علامات ارتداد» تعيد جنوب السودان إلى مسار الصراع الواسع، ولا تخفي المخاوف من أن ما يجري هو استفراد تدريجي بأهدافٍ مدنية وإضعاف القدرة على التعايش المحلي.
الضغوط الإنسانية تشكل العامل الثالث: أكثر من 7.5 مليون شخص يواجهون انعدامًا حادًا للأمن الغذائي، في بلدٍ يعاني تقلبات مناخية وفيضانات متكررة، ونزوحًا داخليًا وخارجيًا متزايدًا.
وقد زادت أزمة السودان المجاور الوضع سوءًا؛ تدفق أكثر من 1.2 مليون لاجئ منذ أبريل 2023 على جنوب السودان أنهك موارد الدولة والجهات الخيرية وأجّج التوترات حول توزيع الموارد والمساعدات.
قضايا النوع الاجتماعي تُظهر بعدًا إنسانيًا محوريًا في الأزمة. النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر: تقارير عن عنف جنسي واسع النطاق، اختطافات وزواج قسري، ومسارات انتهاك عديدة أخرى. رغم دورهن الفاعل في جهود بناء السلام المحلي، فإن النساء لا يزلن مستبعدات من المسارات السياسية الوطنية؛ هدف مشاركة 35% لم يتحقق، ما يقوّض فرص حلول مستدامة مبنية على شمول حقيقي.
لماذا يهم ما يحدث في جنوب السودان عالمياً وإقليمياً؟
أولًا، لأن الانهيار هناك يهدّد استقرار حوض النيل ويحوّل أزمة إنسانية إلى مشكلة إقليمية: موجات نزوح جديدة إلى دول مجاورة (تشاد، أوغندا، إثيوبيا، كينيا) ستزيد الضغوط على أنظمة هشّة بالفعل.
ثانيًا، لأن الصراع يفتح بابَ تدخلات إقليمية ودولية بأجندات متضاربة—ما يعقد المسارات السياسية ويطيل أمد الأزمة.
ثالثًا، لأن فشل عملية السلام سيُضعف ثقة الجهات المانحة والشركاء الدوليين في قدرة مبادرات التسوية المحلية على النجاح، ويعيد فرضية أن الحلول العسكرية يمكن أن تُكسب أرضًا على حساب العملية السياسية.
ما الذي يمكن فعله الآن؟ المسؤولون الأمميون دعوا إلى وقف فوري للأعمال العدائية، و»تجديد» الحوار السياسي، وحماية المدنيين، ودعم بعثة حفظ السلام الأممية (أونميس).
لكن التحرك الفعلي يحتاج أكثر من بيانات؛ يتطلب ضغطًا إقليميًا من دول الجوار والاتحاد الأفريقي، وضمان آليات للمساءلة التي تطال من يعرقلون تطبيق بنود الاتفاق.
كما يلزم دعم مالي إنساني عاجل لمراكز الإيواء وخدمات الصحة والغذاء، إضافة إلى جهود لحماية النساء والفتيات وتوسيع مشاركة المجتمع المدني والنساء في مسارات الحل السياسي.
عملية السلام التي وُقّعت عام 2018 لم تُلغِ جذور الانقسامات: دون إعادة إنجاح آليات الدمج الأمني، وإصلاح القطاع الأمني، ووضع دستور شامل، والتزام حقيقي بمشاركة كل الأطراف، فإن الجنوب قد ينزلق إلى حلقة جديدة من العنف الطويل. الانتخابات القادمة تحمل فرصة لكنها أيضًا خطر؛ تحويلها إلى ساحة تنافس عسكرة قد يفجر البلد من جديد.
الرسالة الأساسية من محافل الأمم المتحدة اليوم واضحة: الوقت ضيق، والنقاط الحاسمة لتصحيح المسار تمر الآن. المجتمع الدولي لا يستطيع إلقاء مسؤولية الإنجاز بالكامل على قيادات جنوب السودان وحدها؛ لكنه مطالب بالتحرك السياسي والإنساني بوضوح وبسرعة.
وفشل هذه الفرصة لا يعني فقط فشل اتفاق؛ بل يعني إبقاء ملايين البشر تحت رحمة العنف والجوع والتهجير، وهو ثمن باهظ لا يملك أحد في المنطقة أو خارجها مبررًا لقبوله.
