زاوية الاخبار ٤ دقائق قراءة

كيف تستخدم امرأة يمنية بقايا السجائر لتمكين مئات النساء

يعج سوق الواهد في لحج، اليمن بالحياة، هواءه كثيف برائحة التوابل الترابية للبازار ودفء الخبز الطازج، وعلى بعد مسافة قصيرة إلى الغرب، تخفت هذه الروائح لتصبح رائحة البخور المدخن في حي بيت الفقيه.

هنا، تجد عبير محمد، 32 عامًا، مشغولة في عملها تستخدم العود المستورد — أو “العود” كما يسمى محليًا — كمادة أساسية لصنع البخور اللحجي الشهير، المعروف برائحته الغنية والمميزة.

البخور هو ما يطلق عليه المحليون هنا؛ إنه رمز من تراث البلاد وركيزة منذ قرون في المنازل اليمنية. النساء مثل محمد قدمن لعقود إتقان حرفة صنع البخور، وهي مهارة انتقلت عبر الأجيال. وفي العقد الماضي، أصبحت صناعة البخور شريان حياة اقتصاديًا أساسيًا للنساء في الواهد، حيث يعتمد عليها العديد من الأسر لكسب رزقها.

لكن هذه الصناعة تراجعت بشكل حاد وسط الانهيار الاقتصادي الذي شهدته البلاد بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت في 2014، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الصرف وجعل العود عالي الجودة باهظ التكلفة.

قال تاجر البخور عصام شيبان إن العود يُستورد أساسًا من جنوب شرق آسيا عبر أسواق الخليج، ومع الأزمات الاقتصادية والتضخم الذي يعصف باليمن، ارتفع سعره تقريبًا ثلاثة أضعاف، مما جعله غير متاح للكثير من صانعي البخور.

وقال الخبير الاقتصادي فارس النجار: “الصناعات التقليدية مثل صناعة البخور تعرضت لانخفاض حاد”، وأضاف: “التقديرات تشير إلى انخفاض الإنتاج في هذا القطاع بنسبة 60 إلى 70 بالمئة”.

وقد دفع ارتفاع التكاليف مئات النساء في الواهد إلى التخلي عن هذه الحرفة، وفقًا لعبير التي، رغم الحرب والمصاعب، ما زالت تواصل مزج إبداعاتها العطرية. ولاحظت أن الأسعار المرتفعة قد أثرت أيضًا على زبائنها.

لذا بدأت في تجربة بدائل في محاولة لإنقاذ عملها. وعند حافة الإفلاس، جاءتها نقطة التحول. في عام 2020، باستخدام بقايا السجائر والخشب التالف، ابتكرت عبير بديلاً ميسور التكلفة يحاكي خصائص العود ويمكن بيعه مقابل 5000 ريال يمني (2 دولار).

وقالت عبير ”: “العملية بسيطة”، وأضافت: “أجمع خردة الخشب من محلات النجارة، أغسلها جيدًا بالماء وماء الورد، ثم أرشها بالزعفران والعطر قبل تخزينها في مكان مغلق لمدة شهرين حتى تنضج”.

وبالمثل، تعيد تدوير بقايا السجائر عن طريق غسل الشوائب وخلطها مع الزيوت العطرية.

“النتيجة هي منتج صديق للبيئة يوفر بديلاً صالحًا للمواد التقليدية لصناعة البخور”، أضافت.

ولقد لاقت مبادرة عبير صدى واسعًا بين النساء اليمنيات، خاصة أولئك اللاتي تركن العمل بسبب النزاع المستمر. أصبح منزل محمد مركزًا لتدريب النساء على حرفتها الجديدة، حيث جذب ورشها أكثر من 500 متدربة منذ أن بدأت.

وقالت عبير: “أنا ملتزمة بمساعدة النساء على استعادة استقلالهن المالي”. العديد من هؤلاء النساء، بمن فيهن خريجات الجامعات اللواتي عجزن عن العثور على وظائف، قد اتجهن الآن إلى صناعة البخور كمصدر دخل موثوق.

بالنسبة لبعض النساء، مثل 48 عامًا نعمة وادي، كانت صناعة البخور طوق نجاة مالي، رغم التحديات. كانت وادي قد تخلت عن الحرفة بسبب التكاليف المرتفعة للخشب العطري، لكنها عادت إلى التجارة بعد تبني طريقة عبير.

أما أسرار محمد، وهي ممارسة أخرى، فقد حققت نجاحًا كبيرًا كطالبة لدى محمد. فهي تعيل أسرتها النازحة من خمسة أفراد من خلال صنع البخور باستخدام الخشب التالف، الذي تحصل عليه مجانًا بسبب وفرة الخشب. وتأمل محمد الآن في توسيع أعمالها عن طريق بيع رقائق الخشب الخام لصانعي البخور الآخرين.

ووفقًا لنعمة الدولة، مديرة دائرة شؤون المرأة في مديرية تبن لحج، فإن هذه الطريقة الجديدة قد جلبت “قفزة نوعية” للصناعة.

قالت الدولة ”: “لطالما كانت صناعة البخور مصدرًا حيويًا للنساء في اليمن”، وأضافت: “من خلال تبني طرق بديلة، نحن لا نحافظ فقط على تقليد ثقافي حيوي ولكن أيضًا نمنح النساء وسيلة لدعم أسرهن وسط الأزمات الاقتصادية”.

لكن محمد القشة، مدير البرنامج الوطني لمكافحة التبغ، يحذر من أن استخدام بقايا السجائر يشكل خطرًا صحيًا شديدًا، حيث تحتوي على آلاف المكونات الكيميائية التي تساهم في العديد من الأزمات الصحية، بما في ذلك السرطان وأمراض الجهاز التنفسي وغيرها من الحالات الخطيرة.

وتدحض عبير هذه الادعاءات، مصرةً على أنها تقوم بإزالة المواد الضارة بعناية وتغسل المواد عدة مرات قبل استخدامها.

وقال القشة: “بقايا السجائر تشكل أيضًا مخاطر كبيرة، حيث أن غسلها بالماء لا يقضي على المركبات الكيميائية الضارة”. وأضاف: “تتفاعل هذه المواد عند احتراقها، مفرزة أبخرة يتم استنشاقها من قبل المستخدمين ومن حولهم”.

ورغم إيجاد حل لمعالجة التكلفة المرتفعة للعود، ما زالت هناك تحديات أخرى. فقد أصبح ارتفاع تكلفة المكونات الأساسية الأخرى للبخور، مثل السكر والعطور، عائقًا كبيرًا أمام أعمالها.

وأضافت عبير محمد أن الغش التجاري يزيد من العبء، حيث أن العديد من المحلات تبيع عطورًا مخففة وضعيفة الجودة، مما يؤدي إلى روائح ضعيفة.

وقالت عبير محمد: “رغم الاهتمام بصناعة البخور، إلا أن السلطات لم تساعدني بعد في تأسيس مكان لتدريب النساء المبتدئات”، وأوضح رغبتها في أن تقدم الحكومة اليمنية المزيد من الحوافز والدعم للنساء الأعمال مثلها.

عبير تتجاوز مجرد إعادة استخدام المواد مثل خردة الخشب وبقايا السجائر. بالإضافة إلى ورشها المنزلية، تتعاون مع مراكز التدريب المهني، بما في ذلك مؤسسة هائل سعيد أنعم الخيرية، حيث قامت بتدريب أربعة دفعات من حوالي 25 امرأة لكل دفعة في تقنيات صناعة البخور البديلة. كما أنها تستكشف خيارات أخرى مستدامة وطبيعية لمساعدة حرفة البخور على الازدهار.

وقالت: “الهدف ليس فقط الحفاظ على هذا التقليد حيًا، بل جعله متاحًا للجميع، حتى في أوقات الأزمات”.

اقرأ أيضاً

الرئيسية