عندما انطلق أحمد القدرة لرؤية ما تبقى من منزل عائلته في قرية القرارة جنوب قطاع غزة، كان يعتقد أن وقف إطلاق النار الذي طال انتظاره قد بدأ.
وفي حوالي الساعة التاسعة صباح يوم الأحد 19 يناير/كانون الثاني، بدأ السير باتجاه الشمال عبر مدينة خان يونس مع أطفاله السبعة، بمن فيهم ابنه الأكبر عدلي (16 عاما) وابنته الصغرى سما (6 أعوام).
لكن دون علمه وأسرته، تأخر وقف إطلاق النار ــ الذي كان من المقرر أن يبدأ في الساعة الثامنة والنصف من صباح ذلك اليوم، وواصل الاحتلال غاراته الجوية.
وبينما كان حشد من المواطنين يقتربون من شارع البرير، أحد الشوارع الرئيسية في خان يونس، هاجمت طائرة إسرائيلية مركبة المكان ما تسبب أيضًا في إصابة عائلة القدرة بالشظايا.
ويظهر مقطع فيديو تم التحقق منه جثة أحمد ملقاة في الشارع بجوار جثة عدلي، بينما يصرخ العديد من الأطفال الصغار مناديين على والدهم، بعد وقت قصير من وقوع الضربة في حوالي الساعة 9:30 صباحًا.
وبحلول الوقت الذي بدأت فيه الهدنة أخيرًا في الساعة 11:15 صباحًا، كان قد تم إعلان وفاة سما.
وقد كانت هذه الطفلة هي آخر طفلة قُتلت في غزة قبل وقف إطلاق النار، بحسب ما قاله متحدث باسم مستشفى ناصر الحكومي.
وقالت والدة سما، حنان (31 عاما)، عن وفاة زوجها وابنها وابنتها: “هذا هو مصيرهم”.
بعد نقل جثمان سما الصغير إلى مستشفى ناصر، وُضِعَت لفترة وجيزة على صينية معدنية – حافية القدمين وترتدي سترة وردية اللون – قبل لفها في كفن إسلامي تقليدي. وكان عدلي مستلقيًا بجانبها.
وقالت حنان إن الأطفال “كانوا يقفزون فرحا” في ذلك الصباح عند احتمال العودة إلى المنزل، مضيفة أنها كانت في السوق تتسوق لشراء الطعام عندما سمعت الانفجار وهرعت إلى المستشفى، وهي تصلي ألا تكون عائلتها مستهدفة.
وبدلاً من ذلك، وجدت زوجها وابنها وابنتها من بين آخر أكثر من 47 ألف شخص قُتلوا في غزة منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفقًا لمسؤولي الصحة في القطاع.
وقبل الحرب، قالت حنان إن الأسرة المكونة من تسعة أفراد كانت تعاني من صعوبات مالية، لكنها وجدت السعادة في منزلها في القرارة.
وقالت حنان إن سما كانت تحلم أحيانًا بصوت عالٍ بيوم زفافها، وتسأل عن الفستان الذي سترتديه.
لكن الأسرة أصبحت نازحة ومعوزة بعد بدء القتال، كما قالت، مضيفة أن الأطفال كانوا يعانون من الجوع في كثير من الأحيان.
وأضافت “كان أنا ووالدهم نبكي في الليل عندما نضع رؤوسنا على الوسادة لأنهم يريدون تناول الطعام”.
وقالت حنان إن الحرب كانت لها تداعيات قاسية على سما بشكل خاص. شاركت سما يظهر ثلاث بناتها يمشين على طريق مترب يحملن عبوات بلاستيكية صفراء لجمع المياه.
وتكافح سما لمواكبة الفتيات الأكبر سناً، وتمسح العرق والغبار عن عينيها وهي تقترب من الكاميرا.
قالت حنان: “لقد كانت تطلب الموز منذ أكثر من شهرين، فأخذتها واشتريت لها موزة صغيرة، كانت تريد البيتزا، فاشتريت لها قطعة صغيرة بـ 2 شيكل (55 سنتًا)، وطلبت منها أن تأكلها في الشارع حتى لا يعرف أشقاؤها”.
وأضافت “كنت خائفة من أن يموتوا وهم يريدون شيئًا لا يستطيعون الحصول عليه”.
ووقعت الغارة الإسرائيلية التي قتلت سما في آخر يوم كامل للرئيس جو بايدن في منصبه، وكانت مثل هذه الهجمات مصدرًا للتوتر المستمر بين إدارته وحكومة نتنياهو.
بعد ساعات من مقتل أفراد عائلتها، أسندت حنان المنهكة نفسها إلى جدار منزل أحد أقاربها. وجلس بجانبها عدد من أطفالها الناجين، وقد بسطوا بطانية على أحضانهم.
وتصفحت صور أطفالها، وتوقفت عند صورة لسما التُقطت أثناء الوباء. كانت تمسك بقناع طبي فوق أنفها، رغم أنه كان كبيرًا جدًا بالنسبة لوجهها الصغير. قالت حنان بهدوء: كانت مثل الوردة، الله يرحمها.
