تتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان مع دخول النزاع المسلح عامه الثاني، وسط تصاعد حدة القتال في مناطق عدة من البلاد، مما أدى إلى موجة جديدة من النزوح الجماعي. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بأن الآلاف من المدنيين اضطروا لترك منازلهم خلال شهر مايو/ أيار، في ظل انعدام الأمن المتواصل وغياب أي مؤشرات على التهدئة.
في ولاية غرب كردفان، كشفت المنظمة الدولية للهجرة عن نزوح ما يقارب 47 ألف شخص من مدينتي الخوي والنهود منذ بداية الشهر. ويُذكر أن نسبة كبيرة من هؤلاء كانوا قد نزحوا في فترات سابقة، ويجدون أنفسهم الآن مجبرين على النزوح مرة أخرى، في واحدة من أكثر صور المأساة السودانية قسوة وتكراراً.
أما في شمال دارفور، فقد شهدت مناطق الفاشر ومخيم أبو شوك موجة نزوح جديدة طالت أكثر من 6,000 شخص خلال مايو وحده، منهم ألف شخص نزحوا خلال الأسبوع الماضي فقط. ووفق أوتشا، لجأ معظم هؤلاء إلى مناطق أكثر أمناً في محلية الفاشر، بينما توجه آخرون إلى الطويلة. وتقدر التقارير الأممية أن شمال دارفور تستضيف اليوم أكثر من 1.7 مليون نازح داخلي، ما يشكل عبئاً هائلاً على موارد الإغاثة المحدودة أصلاً.
ومع تصاعد وتيرة النزوح، تتزايد التحديات الصحية والغذائية التي تواجه السكان. فقد أشار مكتب أوتشا إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل كبير، مما يفاقم من أزمة الجوع وانعدام الأمن الغذائي. وفي ولاية الخرطوم، تلوح أزمة صحية خطيرة في الأفق مع ارتفاع عدد حالات الكوليرا في بعض المناطق، وسط شح المياه الصالحة للشرب وانقطاع التيار الكهربائي شبه الكامل جراء استهداف البنية التحتية الحيوية بطائرات مسيّرة.
هذا الانقطاع الحاد في الكهرباء تسبب في شلل كبير بمرافق الرعاية الصحية، بما في ذلك المستشفيات التي تُعد خط الدفاع الأخير في وجه الكوليرا والأمراض المنقولة بالمياه. ووفق أوتشا، فقد اضطر العديد من السكان إلى اللجوء إلى مصادر مياه غير آمنة، مما ينذر بانفجار وبائي واسع النطاق في حال عدم التدخل العاجل.
وفي الجنوب، يضيف النزوح العابر للحدود بعداً جديداً للأزمة، حيث تتزايد أعداد اللاجئين القادمين من جنوب السودان إلى ولاية النيل الأبيض. وتشير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى عبور أكثر من 25 ألف لاجئ منذ منتصف أبريل/ نيسان، معظمهم من النساء والأطفال الذين فروا من التدهور الأمني والاقتصادي في بلادهم. وبذلك، تتفاقم الأعباء على المجتمعات المضيفة والمنظمات الإنسانية التي تواجه بالفعل نقصاً حاداً في الموارد.
في هذا السياق، أطلق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية نداءً عاجلاً للحصول على تمويل إضافي، مشيراً إلى أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 تلقت حتى الآن 552 مليون دولار فقط، أي ما يزيد بقليل عن 13% من المبلغ المطلوب البالغ 4.2 مليار دولار. وحذر المكتب من أن نقص التمويل يقوض القدرة على الاستجابة للكارثة الإنسانية المتصاعدة، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لتوفير تمويل مرن ووصول آمن للمساعدات.
إن الواقع الإنساني في السودان لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل أو الإهمال، فالدولة تتجه نحو كارثة متعددة الأبعاد تشمل النزوح الجماعي، والانهيار الصحي، والجوع، وسط انسداد أفق الحل السياسي. وبقدر ما تسابق المنظمات الإنسانية الزمن لتقديم المساعدات، فإن غياب الإرادة السياسية وانعدام التمويل الكافي يهددان بتقويض كل الجهود، ويدفعان البلاد إلى حافة الانهيار الكامل.
في ظل هذا المشهد القاتم، لا يلوح في الأفق سوى سؤال واحد يفرض نفسه بإلحاح: من سينقذ السودان من أزمته المتفاقمة؟
