منذ استئناف الهجمات العسكرية الإسرائيلية في 18 مارس 2025 على قطاع غزة، تواجه الاستجابة الصحية الطارئة في القطاع تحديات تشغيلية كبيرة، تعرقل جهود إنقاذ الأرواح وتقديم الرعاية الطبية الحيوية للسكان المتضررين.
وتُظهر البيانات التي جمعتها منظمة الصحة العالمية حجم المعاناة التي يعيشها القطاع الصحي في ظل استمرار النزاع وتزايد القيود المفروضة على وصول فرق الطوارئ والإمدادات الطبية.
وفي الفترة التي أعقبت استئناف العنف، قامت منظمة الصحة العالمية بتنسيق وتسهيل نشر 37 فريقًا طبيًا طارئًا في غزة، تابعة لـ22 منظمة شريكة، منها 35 فريقًا دوليًا وفريقان وطنيان للطوارئ.
بيد أن هذه الجهود الإنسانية تعثرت بفعل إجراءات عرقلة كبيرة، إذ مُنح فقط 74 موظفًا من فرق الطوارئ الطبية حق الدخول إلى غزة، بينما مُنع 58 آخرون من الدخول، مما حدّ من قدرة الفرق على التدخل الفوري والفعال.
كما أن الدخول إلى غزة غالبًا ما يتم في اللحظة الأخيرة أو يتأخر أو لا يُمنح إطلاقًا، ما يُصعب على الجهات المعنية تنسيق عمليات النشر والتدخلات في الوقت المناسب. هذه المعوقات تجعل من الصعب الحفاظ على استمرارية تقديم الرعاية الطبية الطارئة، في وقت يحتاج فيه آلاف المدنيين إلى خدمات صحية عاجلة.
بالإضافة إلى ذلك، تتعرض خدمات الرعاية الصحية لضغوط كبيرة بسبب القيود المفروضة على دخول الأدوية الأساسية والمواد الاستهلاكية والمعدات الطبية، إضافة إلى العوائق التي تحول دون الحركة الآمنة للفرق الطبية والإمدادات داخل القطاع.
وقد تسبب هذا النقص في المعدات والمواد الطبية في تقويض قدرة المستشفيات والعيادات على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة والمتسارعة.
منذ 18 مارس، تمكنت منظمة الصحة العالمية من تسليم 134 منصة فقط من الإمدادات الطبية من مخزونها في غزة إلى فرق الطوارئ الطبية، في حين تعيق القيود المفروضة على النقل والتوزيع توصيل المزيد من الإمدادات الحيوية التي يحتاجها المرضى والجرحى بشكل عاجل.
ولا تقتصر المخاطر على النقص في الموارد، بل تتعرض المرافق الصحية وفرق الطوارئ لهجمات مباشرة. فقد تم توثيق هجمات متكررة على المرافق الصحية وسيارات الإسعاف ومساكن العاملين الصحيين، مما يؤثر سلبًا على قدرة مقدمي الرعاية الصحية على أداء مهامهم قبل وصول المرضى إلى المستشفيات.
وغالبًا ما تضطر فرق الطوارئ الطبية إلى العمل بمرافقة من وكالات دولية لضمان سلامتها في المناطق ذات المخاطر العالية، ما يزيد من تعقيد العمليات الصحية الطارئة ويزيد من الضغط على الموارد المتاحة.
بين 1 يناير و31 مايو 2025، سجلت منظمة الصحة العالمية 76 هجومًا على الرعاية الصحية في غزة، نتج عنها مقتل 38 شخصًا من العاملين الصحيين أو المرضى، وإصابة 65 آخرين.
كما تضررت 23 منشأة صحية و24 مركبة نقل صحية، فيما شكلت الهجمات باستخدام الأسلحة الثقيلة نسبة 53 في المائة من تلك الهجمات، بينما شكلت أعمال العرقلة 40 في المائة. وكان شهر مايو الأكثر دموية، حيث وثقت المنظمة 42 هجومًا، ضمن 56 هجومًا على الرعاية الصحية منذ 18 مارس وحده.
القيود المستمرة على الحركة وانعدام الأمن، إضافة إلى أوامر النزوح القسرية، تزيد من تعقيد وصول المرضى والكوادر الطبية إلى المرافق الصحية، وتحد بشكل كبير من قدرة العاملين الصحيين على تأدية مهامهم. وفي الوقت الراهن، لا تعمل أي مستشفيات في محافظتي شمال غزة ورفح، اللتين تعدان من بين المحافظات الخمس في القطاع.
وبحسب أحدث البيانات المتوفرة حتى 11 يونيو 2025، فإن 37 في المائة فقط من المرافق الصحية في غزة تعمل، أي 213 منشأة من أصل 572، ومعظمها تعمل جزئيًا عدا مستشفى ميداني واحد يعمل بكامل طاقته.
وتتوزع هذه المرافق على 17 مستشفى من أصل 36، وسبعة مستشفيات ميدانية من أصل 15، و63 مركز رعاية صحية أولية من أصل 162، و126 نقطة طبية أو عيادة متنقلة من أصل 359 نقطة.
هذه المؤشرات تعكس واقعًا مأساويًا يواجهه النظام الصحي في غزة، حيث تتآكل القدرات الطبية وسط تصاعد النزاع، ما يفاقم من معاناة المدنيين الذين يعانون من نقص حاد في الخدمات الأساسية والرعاية الصحية الضرورية.
يُعد ضمان سلامة العاملين في القطاع الصحي وتسهيل وصول الإمدادات الطبية والحركة الآمنة داخل القطاع من الأولويات الملحة التي يجب أن تحظى بالتركيز والدعم من المجتمع الدولي. فالاستجابة الصحية الفعالة تعتبر خط الدفاع الأول أمام الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة، ويجب أن تكون محمية من أي أفعال من شأنها عرقلة عملها.
في ظل هذه الظروف الصعبة، يبقى العاملون في القطاع الصحي في غزة على خط المواجهة، يواصلون تقديم الرعاية الطبية للجرحى والمرضى، بالرغم من المخاطر والتحديات الهائلة، مؤكدين على أهمية الوقوف إلى جانبهم وتوفير الدعم اللازم لاستمرارية عملهم وإنقاذ المزيد من الأرواح.
